30 يناير 2012

بل الرئيس أولا ...


محمد علي يوسف
محمد علي يوسف

مرة أخرى!! الدستور أولا أم الانتخابات أولا؟ السؤال الذى تردد منذ عدة أشهر مع اختلاف نوعية الانتخابات.. فالنزاع الأول كان حول 
الانتخابات البرلمانية أم وضع الدستور؟ أما اليوم فالخلاف حول انتخابات الرئاسة أم كتابة الدستور؟ 
ولا شك أن النهاية الفعلية للفترة الانتقالية والحكم العسكري مرتبطة بهذه الانتخابات -انتخابات رئيس الجمهورية- ورغم أن الطريق كان واضحا في استفتاء 19 مارس كما سيأتي إلا أن الأمر يبدو وأنه قد اختلط على البعض، فصار يشكك في المسار الذى حدده الاستفتاء على التعديلات الدستورية، والبعض الآخر يعزو اللبس إلى لجنة التعديلات نفسها والتي -بحسب قولهم- لم تكن على بينة من أمرها.
يقطع الطريق على هؤلاء وأولئك أن ننعش ذاكرتهم ببعض الاقتباسات المنشطة لتلك الذاكرة، نبتدرها بنص مواد التعديلات الدستورية المستفتى عليها فى 19 مارس من العام الماضي.
من نص المادة 189: أحكام عامة وانتقالية والتي تضبط إدارة المرحلة الانتقالية جاء فيها: "لكل من رئيس الجمهورية وبعد موافقة مجلس الوزراء ونصف أعضاء مجلسي الشعب والشورى طلب إصدار دستور جديد وتتولى جمعية تأسيسية من مائة عضو ينتخبهم أغلبية أعضاء المجلسين غير المعينين في اجتماع مشترك إعداد مشروع الدستور في موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها ويعرض رئيس الجمهورية المشروع خلال خمس عشرة يوما من إعداده على الشعب..".
أظن أن النص لا يحتاج إلى كثير اجتهاد في تفسيره وخصوصا أن كلمة "رئيس الجمهورية" الذى يدعو الشعب للاستفتاء على الدستور ظاهرة وواضحة وبينة وجلية و.. لا أجد في قاموسي للأسف الشديد ألفاظا أخرى تفيد الوضوح لأصف بها هذه الكلمة.
يعنى ببساطة هناك رئيس وهناك استفتاء على دستور لم يقر بعد إذن بديهيا من يسبق الآخر؟!
أظن الإجابة سهلة، أما إذا تعسر على البعض فهم النص السابق فهل يجد مشقة في استيعاب النصوص التالية:
مادة 75: وتشمل شروط الترشح لرئاسة الجمهورية.
مادة 76: وتشمل أسلوب الترشح لرئاسة الجمهورية.
مادة 77: وتشمل فترة ولاية الرئيس والتجديد.
مادة 139: وتشمل تعيين نائب لرئيس الجمهورية.
هل يستطيع من ينكر انتخاب الرئيس قبل وضع الدستور الجديد، أن يفسر لنا وجود تلك المواد التي تحدد شروط ترشح الرئيس، وتنظم اجراءات انتخابه، وفترة ولايته بل وتعيين نائبه في هذه التعديلات الدستورية؟
والإجابة لدى المستشار البشرى إذ يقول: "نحن رجال القانون نقول دائما إن المشرع يقول كل ما يعنيه ويعنى كل ما يقوله". 
وهل يجوز لأحدهم أن يدعى أن كل تلك المواد السابق الإشارة إليها قد التبس فهمها وغمضت عمن قاموا بصياغتها فاختلفوا من بعد ذلك في تفسيرها؟
و هل يتصور أن يدعى الشعب للاستفتاء عليها من باب التسلية أو تمضية الوقت مثلا؟ إذا وُجد هذا الشخص فربما أقنعه مقال السيد المستشار رئيس لجنة التعديلات للشروق بعنوان: "نثق في العسكري ، والذى اعقبه بتصريح للشروق أيضًا بعنوان "البشرى يخرج عن صمته: (الرئاسة) قبل الدستور".  
وهذا عين ما صرح به عضو لجنة التعديلات ونائب "الحرية والعدالة" الأستاذ صبحى صالح المحامي منذ أشهر لجريدة الشروق.  
والأمر كذلك كان واضًحا جليًا لدى القيادة العسكرية ممثلة في المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى استضافت السيدة منى الشاذلي ثلاثة من أعضائه في إحدى حلقات برنامجها العاشرة مساءً، وتم من خلاله التأكيد على أن الرئيس قبل الدستور على لسان اللواء ممدوح شاهين تصريحا لا تلميحا – 
مما سبق يتبين لنا أن "الرئيس ثم الدستور" هو المسار الذى حدده الاستفتاء الدستوري الذى يشكل علامة فارقة في تاريخ الممارسة الانتخابية الحرة ببلادنا، وبما لا يدع لنا مجالاً الآن لمناقشة مدى سلامة هذا المسار.
فمسار المراجعة سوف يعود بنا إلى ما قبل الاستفتاء ليخوض بنا في نفق مظلم يعلم الله وحده متى وكيف يكون الخروج منه، ولا زلنا نعانى من آثار الاستقطاب الذى أصابنا بعد معارك نعم ولا والدستور أولا أم انتخابات البرلمان أولا إلى آخر تلك الصراعات التي اكتوينا بنارها طويلا ويبدو أننا في طريقنا لأحدها اليوم. 
ومع ذلك دعونا نناقش مخاوف البعض من انتخابات رئاسية سابقة على الدستور، هذا البعض يراوده هاجس أن يقوم الرئيس المنتخب بحل مجلسي الشعب والشورى وهى مما كان لرئيس الجمهورية من صلاحيات في دستور 71.
أو أن يستغل بعض الصلاحيات الأخرى الموجودة في هذا الدستور الذى أعلنت أكثر من مرة شهادة وفاته، وهذا الظن ينفيه المستشار البشرى بوضوح وحزم في مقاله  مبينا أن صلاحيات الرئيس تقتصر على ما جاء في الإعلان الدستوري، إذ يقول ما نصه: "إن سلطات رئيس الجمهورية محددة في البنود من 3 إلى 10 في المادة 56 وأنها تنتقل إليه فورا من المجلس العسكري فور انتخابه، وللمرء أن يتساءل عن أي اختصاصات ترد في الدستور أو القانون تكون أوضح من ذلك ويضاف إليها ما أوردته المادة 35 من تعيين رئيس الجمهورية لثلث أعضاء مجلس الشورى".
وهذا ما سبق وأن أكده الأستاذ صبحى صالح عضو لجنة التعديلات بحسب ما صرح به للشروق  قائلا: "لا وجود لصلاحيات رئيس الجمهورية لأنها مقيدة في الدستور المعطل".
أما ما بقى من صلاحيات هي ذاتها للمجلس العسكري الآن مع الفارق الشديد بينهما، إذ إن الرئيس "المنتخب" إضافة إلى كونه منتخبا ارتضاه الشعب ووثق فيه فإنه –بافتراض سوء الظن- سوف يحتاج لكثير وقت حتى يحكم سيطرته على مؤسسات الدولة ومفاصلها ليتمكن من استعمالها في الطغيان الذى يخشونه، هذه المؤسسات والمفاصل التي يحكم المجلس العسكري قبضته عليها بالفعل وهى لا شك لدى أي عاقل تمثل عوامل ضغط على صياغة الدستور.. ولمن لا يرى ذلك نسأله تفسيرًا لإصرار المجلس العسكري على البقاء في السلطة حتى كتابة الدستور، مخالفًا بذلك المسار الذى حدده الاستفتاء (والذى حسمنا إثباته).
إن المغامرة الحقيقية ليست في رئيس أولا وإنما في الانقلاب على ذلك، وهو ما يتجاوز حدود المغامرة بكثير وهو للأسف يذكرني بنفس النبرة التي كان يتحدث بها دعاة رفض الاستفتاء منذ أشهر بحجة أنه يصنع ديكتاتورا جديدا وكان الإسلاميون في ذاك الوقت يقفون في وجوههم بكل وضوح قائلين هذه إرادة الشعب وهو الذى ارتضى هذا المسار وقال نعم لتلك التعديلات التي تشمل تلك الصلاحيات لرئيس الجمهورية فماذا حدث؟ ولماذا تغيرت تلك النبرة اليوم وصرنا نحن من يخشى تلك الصلاحيات؟
حقيقة لست أدري. 
كما أن الجدول الزمنى الذى أعلنه المجلس الاستشاري ينص على تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور خلال 15 يومًا، ثم الانتهاء من وضع الدستور خلال 30 يومًا، ويطرح للاستفتاء العام في 20/5، بينما نجد أن هذا الجدول قد فتح باب الترشح للرئاسة في 15/4 .. فهل من إجابة راشدة لسؤال يطرح نفسه: على أي أساس يتقدم المرشح للرئاسة إذا كان لا يعلم حتى هذه اللحظة ما هو نظام الدولة، ولا ماهية اختصاصاته وصلاحياته؟
الإجابة الوحيدة المنطقية أنه سيتقدم على أساس وشروط الإعلان الدستوري.
لماذا إذن قبل الداعون الجدد للدستور أولا أن يتقدم المرشحون لخوض الانتخابات الرئاسية في منتصف إبريل رغم أنهم بذلك يتقدمون على أساس الشروط المعلنة في الإعلان الدستوري وليس على أساس شروط الدستور الجديد الذى لم يكتب بعد؟
وإن كانوا قبلوا بدخوله على شروط الإعلان الدستوري فلم يرفضون دخوله بصلاحيات نفس الإعلان؟
أليس هذا أمرا مثيرا للدهشة؟
وهل يعقل أن يتقدم مرشح للرئاسة وهو لا يعلم هل الدولة ستكون في الدستور الجديد برلمانية –لا قيمة لمنصب الرئيس فيها– أم أنها رئاسية أم مختلطة؟
الجواب ببساطة أنهم يعلمون أنهم سيتقدمون على أساس الإعلان الدستوري الذى من الممكن ان يسرى عليهم لفترة يحددها الدستور الجديد، وقد تمتد إلى نهاية الفترة الرئاسية الأولى ثم يطبق الدستور الجديد على الفترات التي تلى ذلك. 
ولماذا يفترض الداعون للدستور قبل الرئيس والذين ينوون وضع الدستور في ثلاثين يومًا أنه سيكون محل موافقة نهائية من الشعب، ويستبعد تماما احتمال الرفض؟
أوليس من حقي أن أقول لا في الاستفتاء على الدستور الجديد؟
هل يضع لنا المتخوفون من انتخاب الرئيس أولاً سيناريو رفض الدستور إذا ما طرح للاستفتاء العام؟ هل نؤجل انتخابات الرئاسة؟ أم نستمر في ظل الإعلان الدستوري الحالي؟ أم أن الرفض غير وارد؟ أم غير مقبول؟
إن الإصرار على ربط انتخابات الرئاسة بالموافقة على الدستور الجديد سينزع عن الشعب حقه في رفض الدستور الجديد إن وجد فيه ما يعيبه ويكره الجميع على قول نعم للدستور القادم لأن الشعب ببساطة قد مل وصار يريد أن تنتهى تلك الفترة الانتقالية بأي طريقة ولن يحتمل أي نوع آخر من التطويل.
ولماذا العجلة أصلا والرغبة في تحطيم الرقم القياسي العالمي في مدة كتابة الدساتير؟
إن الدساتير المحترمة لا توضع في أيام ولا شهور، دستور 1923 على سبيل المثال وضع في أربعة أعوام تقريبا، ودستور 71 في عام  نصف، ودستور الأزهر الشريف الذى وضع في عهد الشيخ عبد الحليم محمود وظل بعدها حبيس الأدراج وضع فيما يقارب العامين، ويكفي أن نعرف أن تعديلات المواد التسعة استغرقت من لجنة التعديلات أكثر من عشرة أيام (من 15/2/2011 حتى 26/2/2011 م) فما بالكم بمئات المواد؟
نحتاج إلى دستور يكتب بهدوء وليس تحت ضغط ويناقش مجتمعيا ويعرض على الاستفتاء بحيادية تامة دون ارتباط بموعد لتسليم السلطة ليس موجودا أصلا بل يتكلفه البعض، وحتى وإن رأى واضعو الدستور أن يجعلوا الدولة برلمانية أو مختلطة وقرروا تقليص سلطات الرئيس لأقصى درجة –ورغم أنني ولأسباب كثيرة أرى أنه نظام ليس مناسبا لمصر وسأعرض ذلك في مقال منفصل إن شاء الله– فإنهم يستطيعون ذلك في وجود رئيس بصلحيات الإعلان الدستوري.
وذلك بشيء يعرفه أي طالب حقوق يدعى المواد الانتقالية أو الاستثنائية المؤقتة بمعنى أنه يجعل فترة حكم الرئيس بتلك الصلاحيات التي جاء بها وصدق عليها الشعب في استفتاء مارس 2011 فترة محددة بمدة زمنية معينة وحين انتهائها يتم العمل بالدستور الجديد.
والطريف أن واضعي الدستور سيضطرون لا محالة لوضع مثل تلك المواد بخصوص البرلمان الذى قد يفقد شرعيته إذا تم تغيير بعض المواد الخاصة به في الدستور كما هو متوقع مثلا حول نسبة العمال والفلاحين وإلغاء مجلس الشورى وصلاحيات مجلس الشعب، فلماذا يرتضون تلك المواد الاستثنائية للمجلس ولا يرتضونها للرئيس؟
أخيرا أؤكد أنني أكتب هذا الكلام مبكرا قبل أن يبدأ ما أتوقعه من استقطاب جديد حول تلك القضية، أكتبه أنا الكاتب الإسلامي ونقلت فيه رأى المستشار البشرى "الإسلامي" وكلام الأستاذ صبحى صالح "الإسلامي" وإن شئت أكثرت من الاستشهاد بآخرين من النخبة الإسلامية بإخوانها وسلفييها ووسطييها –نسبة لحزب الوسط– والتي تؤكد ما ذهبت إليه، ولأبين أن القضية هذه المرة ليست ما بين علمانيين وإسلاميين، إنما هي قضية مبدأ واحترام لما استفتى عليه الشعب، ولا داعى لتحويلها إلى قضية أيديولوجية فقد بذلت جهدي لتظل قضية فكرية وقانونية، وأقبل تماما أن يختلف معي إخواني فيها لكن ما لا أقبله أن يتحول هذا الخلاف في الرأي السياسي إلى تجريح أو اتهام للنوايا والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل.

سلفي وبردعاوي

د. محمد يسري سلامة
د/ محمد يسري سلامة
اقترب مني شاب سلفي مهذَّب أثناء مشاركتي المستمرة منذ مئة يومٍ أو يزيد في اعتصام مكتبة الإسكندرية، فحيَّاني بتحية الإسلام، وأخبرني مشكورًا كم أنه معجبٌ بكتبي ومقالاتي وكثيرٍ من مواقفي، وأنه يريد أن يدرس معي علومَ الحديث الشريف وأن نقرأ معًا مسند الإمام أحمد قطعةً قطعة، وهو أمرٌ أسعد به كثيرًا، لكنه استأذنني بعد ذلك في أن أسامحه إذا كان ما يريد أن يقوله سيغضبني، وهذا هو أدب السلفي الحق كما أعرفه، فأخبرته أني أسامحه مقدمًا وأن بإمكانه أن يقول ما يشاء من دون حرج، فذكر لي ما يتردد من أني (سلفي برادعاوي) أو سلفي وبرادعاوي، وأنه لا يحب لي هذا الأمر ويود لو أني راجعت نفسي في هذا الموضوع لأنه موضع تشكيكٍ وانتقادٍ واتهامٍ دائم، بحيث يَعجز مَن يحبني ويُحسن الظنَّ بي مثلُه عن الدفاع عني أحيانًا، لأن الرجل علماني صرف، لا ينتمي إلى (الإسلاميين) بصلة، ولا ينادي بتطبيق الشريعة. ثم طلب مني مرةً ثانيةً في أدبٍ جمٍّ أن أسامحه إن كان قد أزعجني ما قال. والحق أنه لم يزعجني، بل أضحكتني كثيرًا هذه التسمية (سلفي برادعاوي)، وإن كنت لا أرضى أن تضاف السلفية إلى رجلٍ كائنًا من كان، وما كان مني سوى أن قلت له: أخي الحبيب، أرى مِن سَمتِك أنك صاحب خلقٍ حَسَن، وديننا يعلمنا الأخلاقَ قبل كلِّ شيء، ولذا أريد منك أن تعذرني إن كنت تخالفني في هذا الموقف، لأني ملزَمٌ أخلاقيًّا بتكملة ما بدأته مع الدكتور البرادعي منذ عودته إلى مصر، وبعد المطالب السبعة للتغيير التي دعا إليها ووقَّعتُ أنا عليها، والتي تحقَّقت بحذافيرها بعد الثورة بالمناسبة. كما أني لست معنيًّا بأن يصبح البرادعي رئيسًا للبلاد، كما أن الرجل نفسه ليس معنيًّا بذلك، وكل ما يعنيني في ذلك هو مصلحة مصر كما أفهمها وأراها، التي هي في الوقت نفسه مصلحة الدين، لأن مصر ركيزة من ركائز الإسلام ودرعه وسيفه. وأنا أعلم بالطبع أن من يصرِّح بموقفه هذا يتعرض لحملةٍ شعواء من التشويه والتشكيك والازدراء، وربما ما هو أكثر من ذلك، لأن التهم التي يشيعها جهاز أمن الدولة عن الرجل وحوله منذ عهد النظام شبه البائد وإلى يومنا هذا قد تغلغلت في نفوس كثيرين بحيث صارت أشبه بالمسلَّمات أو البديهيات، مع أن هناك قاعدةً تقضي بأن ما أُسس على باطل فهو باطل، ولذا كان مجرد صدور هذه الأشياء من أمثال هؤلاء هو علامة في نفسه على كذبها وبطلانها. ثم إن الفرق بين المتعلم والجاهل هو أن الأوَّل يسعى إلى التحقق من صدقِ ما يُلقى على سمعه أو كذبِه، وهذا ما سوف ندرسه في علم الحديث، وقد تحقَّقتُ من كذب هذه الأشياء بحيث لم يعد لها قيمة عندي وإن تردَّدَت بكثرة. أما علمانيته كما ذَكَرت فأرى أننا قد توسَّعنا كثيرًا في استعمال هذه الكلمة لوصف كلِّ من ليس (إسلاميًّا) أي لا ينتمي لأيٍّ من الكتل الإسلامية المعروفة، وإن كان من أشدِّ الناس دينًا، وأنا لا أقول إن الرجل كذلك، لكني لا أظن أن شخصيته تختلف كثيرًا عن شخصية والدي رحمه الله، الذي كان أستاذًا في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، والذي لم يكن سلفيًّا ولا إخوانيًّا ولا شيئًا من ذلك، ولم يكن بشديد التدين (الظاهر)، ولم يكن علمانيًّا بالتأكيد، لكني وددتُ أن أكون في مثل طيبته وبرِّه بأهله وبالفقراء ونزاهته وحبِّه للعلم واجتهاده في خدمة تلامذته وأسرته رحمه الله. هذا مع تحفظي على مصطلح الإسلاميين الذي تستعمله، لأنه لا أصل له في ديننا ولا في ثقافتنا، وعندنا كما تعلم أسماء ومصطلحات شرعية كثيرة، لكن ليس منها (إسلامي) و(غير إسلامي). وإذا كان هذا التقسيم بناءً على الموقف من تطبيق الشريعة فربما كان مفهومك عن هذا الأمر يختلف عن مفهومي، فالشريعة عندي مفهوم شامل لكلِّ ما هو خير وحق وعدل، وإذا كنا نريد الشريعة بمفهومها الشامل فلابد من طريقٍ نسلكه لتحقيق الاستقلال في الإرادة والقرار، والقدرة على حرية الاختيار، وهذا لا يكون إلا بالتخلص من الجهل والفقر والمرض والتبعية للخارج، وهذا لا يسمى تدرجًا في تطبيق الشريعة، بل هو الشريعة نفسها. ثم إنني لست ممن يتحرج من المناداة بتطبيق الشرع الشريف، وأننا بحاجةٍ إليه، وكم أفتقد في هذه الأيام بالذات حدًّا مثل حد الحرابة الذي كنت لأحبُّ أن أراه يقام على مبارك والعادلي وأمثالهما بكلِّ تأكيد. كما أننا بحاجةٍ أيضًا إلى من لديه الاستعداد التام والكفاءة العالية للقيام بإصلاح جذري في مؤسسات الدولة وهياكلها الإدارية، التي تغلغل فيها الفساد لدرجةٍ لم يعد يصلح معها التطهير بإزالة (الفيروسات) الكثيرة العالقة بها، بل لابد من إحلال (نظام تشغيل) جديد لها وإعادة هيكلتها بصورةٍ كاملة، وإلى من لديه المقدرة على معالجة ملفاتٍ شائكة كالقضاء والداخلية وأوضاع المؤسسة العسكرية وموارد الدولة من البترول والغاز وقناة السويس وغير ذلك، ومَن لديه الرغبة في إحداث تغيير حقيقي وشامل في كل تفصيلةٍ من تفصيلات الدولة والمجتمع، بحيث يمكن للمصريين أن يتلقوا عناية طبية فائقة وتعليمًا ممتازًا وعيشةً كريمة كما يستحقون، بحيث لا يُجبرون على الهجرة للخارج أو الانسحاق والحياة المذلَّة والموت البطيء في الداخل.
(لكنك بهذا تلتقي مع الليبراليين، ثم إنه انسحب من سباق الرئاسة حتى تخلَّى عنه معظمهم، فلماذا تذكره الآن؟) كذا قال، فقلت له: هناك نوعان من الليبراليين كما عرفتهم، نوع ثوري صادق مخلص مُنصف بل متدينٌ أحيانًا لا أجد أية صعوبة في التواصل معه، ونوع يحسب كذبًا أنه النخبة ويترفع عن الثورة والثوار وعن التواصل مع القوى الأخرى لأنه غير منصفٍ وغير جاد، بل هو في الحقيقة ينتمي إلى فكر النظام السابق وأساليبه. وهذا النوع الثاني ليس مع البرادعي ولا غيره، وإنما هو فقط مع من يحقق له مصالحه الشخصية والمادية، ومع من يناوئ التيارات الإسلامية ويقمعها أو يحجِّمها، والبرادعي لن يفعل ذلك، وأنا لا أريد منه في هذا الباب أكثر من هذا، لأني لا أرضى بالظلم والقمع لأي أحدٍ أولاً، ولأن ما يهمني هو حرية الدعوة ثانيًا، لأن الشريعة لا تتحقق في البرلمانات، وإنما تتحقق في النفوس قبل كلِّ شيء. وأخيرًا قلت لصاحبي: وأما انسحابه من سباق الرئاسة أو عدم انسحابه فقد قلت لك إن ديننا يعلِّمنا الأخلاق، ومِنَ الخزي أن يتغير موقفي من الرجل أو كلامي عنه لمجرد خروجه من المشهد، وإن كنت لا أظن أنه سيخرج، لأني لم أكن أبتغي شيئًَا أصلاً من موقفي هذا سوى ما أرى أنَّ فيه رضا الله عزَّ وجلّ، ولم أكن قَطُّ جزءًا من حملة دعمه ولا شيئًا من هذا القبيل (وماذا سينال مَن أنصَفَ البرادعيَّ من الدنيا في كلِّ الأحوال؟)، والصديق وقت الضيق كما يقولون. وعلى كلِّ حال أشكر أخي الكريم على أدبه الوافر وكلماته الرقيقة وحرصه عليّ، وأنا واثقٌ من أننا سنقترب أكثر وأكثر في مواقفنا بعدما نتم قراءة مسند الإمام أحمد بإذن الله تعالى.

26 يناير 2012

ثلاثون عاما من الجهل والسذاجة والتسلط !

محمد حسنين هيكل
كان اللقاء مع «مبارك» وديا، ولا أستطيع أن أقول حميما، ولم تكن الحميمية متصورة بعد متابعتى له من بعيد، منذ ظهر أمامى فى «الخرطوم» ــ ثم نائبا للرئيس فى ظروف تشابكت فيها العلاقات بينى وبين الرئيس «السادات» ما بين سنة 1974 وسنة 1975، ثم انقطعت فى نفس الظروف التى أصبح هو فيها نائبا للرئيس، ومسئولا عن الأمن والتأمين، ثم رئيسا للدولة فى ظروف عاصفة!!
وصباح يوم موعدنا ــ السبت 5 من ديسمبر ــ وصلت إلى بيته فى الموعد المحدد ــ وعبرت باب البيت من ردهة إلى صالون فى صحبة ضابط برتبة عميد، ولم أنتظر أكثر من دقيقة فى الصالون، حتى دخل «مبارك» مادا يده ومرحّبا بابتسامة طيبة وملامح تعكس حيوية شباب وطاقة!!
وقال على الفور وهو ما زال واقفا: «لابد أنك جائع فأنا أعرف أنك تستيقظ مبكرا».
وقلت: «بصراحة ــ سيادة الرئيس ــ إننى أفطرت فعلا، ولكنى سوف أجلس معك وأنت تتناول إفطارك»، وضحك قائلا: الحقيقة أننى أيضا أكلت شيئا خفيفا، وقلت له: «إذن فلا داعى لإضاعة وقت على مائدة الإفطار، فلدىَّ الكثير أريد أن أسمعه منك»، وأبدى موافقته بعد تكرار سؤاله عما إذا كنت لا أريد أن آكل أى شىء مما جهزوه لنا، وكررت الشكر، وقال: إذن نطلب فنجانين من القهوة ونجلس.
قدم لى الرئيس «حسنى مبارك» دون أن يقصد من ناحية، ودون أن أقصد أيضا ــ مفتاحا لم أتوقعه من مفاتيح شخصيته، ولسوء الحظ فإن ما قدَّمه لى فات علىَّ فى وقته، مع أنه استوقفنى فعلَّقت عليه!!
●●●
قلت للرئيس «مبارك» فور أن جلسنا: «إننى فكرت بالأمس أن أطلب مكتبه، راجيا تغيير موعدنا، لأنى قرأت فى الصحف عن مشاورات يجريها لتعديل وزارى أعلن عنه، وقد خطر لى أن موعدى معه اليوم قد يُحدث التباسا وخلطا لا ضرورة له، بين لقاءاته فى إطار التعديل الوزارى، وبين لقاءاته العادية الأخرى وضمنها موعدى معه، وأول الضحايا فى هذا الخلط والالتباس ــ سوف يكون فريق الصحفيين الذين يغطون أخبار رئاسة الجمهورية».
ورد «مبارك» وهو يبتسم بومضة شقاوة فى عينيه:
- وماذا يضايقك فى ذلك.. «اتركهم يغلطوا!».
ولم يتضح لى قصده، وسألته، وجاء رده بما لم أفهمه فى البداية حين قال (يقصد الصحفيين): دول عالم «لَبَطْ»، وأبديت أننى لم أفهم المعنى، واستنكر بُطء فهمى فقال: «لا تعرف معنى «لَبَطْ» ــ هل أنت «خواجة»؟!، وأكدت له أننى أبعد ما أكون، وراح يشرح معنى «لَبَطْ»، ثم واصل شرحه: «اتركهم يغلطوا» حتى يتأكد الناس أنهم لا يعرفون شيئا».
ومرة ثانية لم يتضح لى قصده، ومرة ثانية سألته، ورد، وعلى شفتيه ما بدا لى «ابتسامة من نوع ما»: «إن الصحفيين يدَّعون أنهم يعرفون كل شىء، وأنهم «فالحين قوى»، والأفضل أن ينكشفوا أمام الناس على حقيقتهم، وأنهم «هجاصين» لا يعرفون شيئا».
قلت:
ــ ولكن سيادة الرئيس هذه صحافتك، أقصد «صحافة البلد»، ومن المفيد أن تحتفظ لها بمصداقيتها، ولا بأس هنا من جهد لإبقاء الصحفيين على صلة بالأخبار ومصادرها.
ورد بقوله: «الدكتور «فؤاد» (يقصد رئيس وزارته وقتها «فؤاد محيى الدين») يقابل الصحفيين باستمرار، ويطلعهم على الحقائق، لكن بلا فائدة، هم «يخبطوا على مزاجهم» ولا يسألون أحدا!».
وقلت: «إنه ليس هناك صحفى يحترم نفسه تصل إليه أخبار حقيقية ويتردد فى نشرها».
وظل على رأيه: «المسألة أنهم لا ينشرون، إما أن لهم مصالح خاصة، وإما أنهم لا يفهمون».
وأحس أننى لم أقتنع، وتفضَّل بما ظن أنه مجاملة ــ قائلا:
ــ «محمد بيه» أنت تقيس الصحفيين الحاليين بتجربة زمن مضى، ليس هناك صحفى الآن له علاقة خاصة بالرئيس (وكانت الإشارة واضحة)، وقلت إن «جمال عبدالناصر» كان متصلا بكثيرين من الصحفيين، ثم إن هذا لا يمنع قيام صداقة مع أحدهم بالذات، ولكن المهم أن يكون أصبع رئيس الدولة على نبض الرأى العام طول الوقت».
وانتقل والدهشة عندى تزيد قائلا:
«على فكرة نحن كنا نتصور أنك تجلس على حِجْر الرئيس الرئيس «جمال»، لكنه ظهر أن الرئيس «جمال» كان هو الذى يجلس على حِجْرك، واستطرد: لم أكن أعرف أن العلاقة بينكما إلى هذا الحد حتى شرحها لى (أشار إلى اسم الأستاذ «أنيس منصور)»!!
واستهولت ما سمعت، وبان ذلك على ملامحى، وربما فى نبرة صوتى حين قلت له:
«سيادة الرئيس أرجوك لا تكرر مثل هذا الكلام أمام أحد، ولا حتى أمام نفسك، أولا لأنه ليس صحيحا، وثانيا لأنه يسىء إلى رجل كان وسوف يظل فى اعتقادى واعتقاد كثيرين فى مصر وفى الإقليم وفى العالم قائدا ورمزا لمرحلة «مهمة» فى التاريخ العربى».
أضفت:
«فيما يتعلق بى فقد كان يمكن أن يرضى أوهامى أننى كنت «كل شىء» وقت «جمال عبد الناصر»، ولكن ذلك غير صحيح، لأن «جمال عبد الناصر» كان هو «جمال عبد الناصر»، وقد أسعدنى ــ ولا يزال ــ أننى كنت صديقا له وقريبا منه ومتابعا لدوره وهو يصنع للأمة كلها تاريخا يمثل على الأقل لحظة عز وقوة لها فى عالمها وعصرها، وأنا أقول ذلك بعيون مفتوحة، مدركا أن تجربة «عبد الناصر» كانت إنسانية قابلة للخطأ أحيانا كما للصواب، كما أنها ليست أسطورية معصومة بالقداسة، لأن ذلك غير إنسانى، وهذه هى الحقيقة»!.
وقاطعنى:
ــ «أنا أعرف كم كان الرئيس «جمال» شخصية عظيمة، وما قلته لك كان كلام (أعاد الإشارة إلى اسم «أنيس منصور»!)، وهو لم يقله لى فقط، وإنما نشره أيضا، أما أنا فلم أقل من عندى إلا ما قلته أنت فى وصف علاقتك به، من أنك كنت صديقا له وقريبا منه هذا ما قصدته، وقصدت أنك كنت تعرف كل شىء، بينما الصحفيون الآن لا يعرفون».
وقلت:
ــ «إن علاقته هو (أى «مبارك») بالصحفيين فى عهده اختياره، وله أن يوصفها كما يرى، لكنى أتمنى لو استطاع أن يسهِّل على الصحافة أن تعرف أكثر، لأن تلك مصلحة الجميع، وأولهم هو شخصيا».
وظل على رأيه لم يغيره، وأكثر من ذلك فإن رده علىَّ كان بقوله: «أنه إذا عرف الصحفيون أكثر، فسوف يتلاعبون به».
وقلت فى شبه احتجاج:
ــ «سيادة الرئيس أنت تسىء الظن بإعلامك، وأنا أعرف بعضا من شيوخ المهنة وشبابها، وأثق أنهم لن يتلاعبوا فى أخبار، فضلا عن أسرار».
وشرحت لمحات عن مهنة الصحافة فى مصر وتاريخها ورجالها، ومع أنى أسهبت إلى حد ما فى الحديث عن تاريخ الصحافة المصرية، فقد أحسست أنه يتابع، وكانت له عدة أسئلة واستفسارات عن الأشخاص وعن الوقائع.
ثم آثرت أن أنتقل من هذا الموضوع إلى غيره مما يعنينى فى أول لقاء مع رئيس الدولة الجديد فى مصر، وفى ظروف عاصفة يندر أن يكون لها مثيل ــ هبت على مصر نارا ودما!!
●●●
وكذلك عُدت بالحديث إلى مدخله الطبيعى، فقلت للرئيس: إننى متشوق إلى سماعه.
ورد قائلا: ولكن أنا أريد أن أسمعك هذه المرة وأن أسألك، وفى المرة القادمة أنت تسألنى ــ أضاف بتواضع أنه يعتبر نفسه هذه الفترة فى «مهمة استكشاف»، يتعرف فيها على «الجو» الذى يتعين عليه العمل فيه!»، وأضاف: «أنا طلبت منك أن تتكلم يوم جئت إلى قصر «العروبة» بعد الإفراج عنكم، ولكنك لم تتكلم». وقلت: «إننى اعتذرت لأن اتفاقنا قبل المجىء إلى عنده كان أن يتكلم واحد منا بالنيابة عنا جميعا، وقد اخترنا «فؤاد سراج الدين» لأنه أكبرنا سنا، وأسبقنا جميعا إلى ممارسة العمل السياسى».
قاطعنى بسؤال: هل عرفت «سراج الدين» وأنتم فى «طرة»؟!! ــ وقلت: إننى أعرفه من قبل ثورة 1952، وحين كان سكرتيرا عاما لحزب الوفد ووزيرا للداخلية، وقتها (فى أواخر العشرينيات من عمرى) ــ كنت رئيسا لتحرير «آخر ساعة»، ومديرا لتحرير «أخبار اليوم»، وعلى علاقة بمعظم الساسة فى مصر، وكان «فؤاد سراج الدين» من أبرزهم، ولم تتغير علاقتى به أو بهم، بل توثقت مع مرور الأيام، وحتى بعد ثورة يوليو.
وقاطعنى «مبارك» بسؤال:
هل كان الرئيس «عبد الناصر» يعرف ذلك ويقبل به؟!! ــ قلت له: «جمال عبد الناصر» كان يحب «مصطفى النحاس» مثلا (رئيس الوفد) ويحترمه، وكان يرى مزايا كثيرة لـ«فؤاد سراج الدين»، ويعتبره سياسيا ذكيا مجربا، حتى وإن اختلف معه».
وتوقف «مبارك» للحظة مترددا ثم سأل:
ــ ولكن ألم يحدث أن الرئيس «جمال» اعتقل «النحاس» (باشا)؟!!
وقلت:
ــ بالمعنى الحقيقى لم يعتقله، وإنما أصدر قرارا بتحديد إقامته فى بيته، وكان ذلك سنة 1955، وفى الظروف الخطرة على الطريق إلى حرب السويس، وكانت المعلومات وقتها أن الإنجليز يبحثون عن حكومة بديلة لنظام 23 يوليو، وخشى «جمال عبد الناصر» أن يقوم أحد بتوريط «النحاس» (باشا) فى حديث عن حكومة بديلة، خصوصا وأن المعلومات وقتها كانت أن المخابرات البريطانية M.I.6 تقترح إما «النحاس» (باشا)، وإما اللواء «محمد نجيب» لرئاسة حكومة يستطيعون الاتفاق معها، وأظنه أراد حماية «النحاس» (باشا) أكثر مما أراد الإساءة إليه، وأنا أعرف أن الأسلوب غريب فلا أحد يستطيع حماية رجل يحرص عليه بتحديد إقامته فى بيته، لكن «جمال عبد الناصر» وفى الكلام معى أشار إلى هؤلاء الذين ورطوا «النحاس» (باشا) فى حادثة 4 فبراير 1942)، وأتذكر أننى وقتها استأذنته أن أذهب قبل تطبيق القرار بتحديد إقامة «النحاس» (باشا) وأشرح له دواعيه، وأن «عبد الناصر» وافق، وذهبت إلى مقابلة «النحاس» (باشا) بالفعل.
وكنت وما زلت حتى الآن على خلاف مع الأسلوب، رغم تفهمى لدوافعه».
●●
ــ وقاطعنى «مبارك»:
تريد أن تقول إن الرئيس «عبد الناصر» كان يحب «النحاس»؟!!
واستطرد:
«لا مؤاخذة ــ الرئيس «أنور» قال لى إن «عبد الناصر» لم يكن يحب أحدا».
ــ وابتسمت وقلت: هذا رأى الرئيس «السادات» – بأثر رجعى كما يبدو لى، لأنه هو من وصفه فى كتاب بأكمله بـ «القلب الكبير الذى يتسع لحب كل الناس وللإنسانية كافة».
وقاطعنى:
ــ «محمد» بيه ــ أنا أحببت الرئيس «جمال» ــ لا تنسى أننى أسميت أحد أبنائى على اسمه».
وقلت:
ــ وكذلك فعل الرئيس «السادات».
وسألنى: هل أسميت أحدا من أبنائك باسم الرئيس «جمال»؟!!
ــ وأجبت بالنفى، بل اخترت لأبنائى أسماء عربية ــ تقليدية ــ وسهلة: «على» ــ و«أحمد» ــ و«حسن».
ــ وسألنى الرئيس «مبارك»:
«حيرتنى علاقة الرئيسين «أنور» و«جمال» ــ لماذا اختلفا معا ــ أنت كنت شاهدا على العلاقات بينهما، وكنت قريبا من الاثنين، حتى وقعت الواقعة بينك وبين الرئيس «أنور».
ــ وقلت:
«فى علاقتى بالاثنين لم أعرف عن خلاف بينهما، ولم يكن هناك لا موضوع للخلاف ولا مجال لوقوعه، فـ«أنور السادات» كان دائما وراء «جمال عبد الناصر»، مناصرا، متحمسا، وبعد رحيله 1970، وحتى بعد حرب أكتوبر 1973، وحين اختلفت معه وابتعدت فإن علاقته بـ«عبد الناصر» كانت كما عهدتها، ثم بدأت ــ بعد سنة 1974 ــ أسمع ــ من بعيد ــ بالتلميح أولا وبالتصريح ثانيا عن خلاف كان، وعن مواقف وقع فيها هذا الخلاف «المزعوم» واستفحل، وفى البداية بدا لى ذلك غير مفهوم، أو حتى غير منطقى!!».
●●●
وتداعى هنا حديث حول العلاقات بين الرئيسين السابقين.
وانتقل الرئيس «مبارك» من هنا إلى خلافى شخصيا مع الرئيس «أنور»، وقال: كثيرا ما أستغربت، فأنا أعرف أنك وقفت معه «جامد» فى أول ولايته، ثم وقفت معه «أجمد» فى معركة مراكز القوى ــ مايو ــ وكنا جميعا نعرف أنك موضع ثقته، وقد رأيت ذلك بنفسى فى القيادة أثناء الحرب ــ وأضاف: «أنه عرف أننى كاتب التوجه الإستراتيچى الذى صدر للمشير «أحمد إسماعيل» بتحديد أهداف حرب أكتوبر، وهذا فى رأيه «قمة الثقة»، ولهذا فاجأه خلافى مع الرئيس حول فك الارتباط، لكنه لم يقرأ ما كتبت عنه ــ هو يعرف أن الخلاف وقع، لكنه لا يعرف لماذا؟! ثم استدرك ضاحكا:
ــ «لا تزعل يا «محمد» بيه، إذا قلت لك إننى لم أكن أقرأ مقالاتك رغم «أننى أسمع أن كثيرين يقرأونها»، ولا أخفى عليك أننى كنت أمنع ضباط (الطيران) من قراءتها».
ــ وقلت بعفوية: «ياه... لعل السبب خير».
ــ قال: «ما كان يحدث أن مقالك «بصراحة» يُنشر فى «الأهرام» يوم الجمعة، ثم يجىء الضباط يوم السبت وقد قرأوه، وكلهم متحفزون لمناقشته، وكثيرا ما كانوا «يتخانقون»، وأنا لا أريد فى السلاح «خناقات» ولا سياسة!!».
ــ أضاف: «أما عنى أنا، فقد كنت لا أقرأ مقالاتك لأنى عندما حاولت ــ لم أفهم ماذا تريد أن تقول فى نهاية المقال».
ــ بصراحة (على رأيك ــ أضافها وهو مازال يبتسم ــ «مقالك دائما ينتهى دون أن «نرسى على بر» ــ ولا نعرف بعده نتيجة Conclusion، قالها بالإنجليزية).
ــ وقلت: «سيادة الرئيس ــ هناك مدرسة فى الكتابة لا ترى أن الـConclusion واجب الكاتب، وإنما واجبه: معلومات صحيحة، واجتهادات فى التحليل واسعة، واختيارات فى المسالك المتاحة للحل مفتوحة، ثم يكون للقارئ أن يختار ما يقنعه، بمعنى أننى لا أريد أن يكون ما أكتبه «مقفولا» على نتائج Conclusion «تعلِّبه»، وإنما أفضل أن أترك للقارئ حريته ــ بمعنى أن تبدأ علاقته بالمقال بعد أن ينتهى من قراءته، وليس حين يهم بقراءته، لأن هدفى تحريضه على التفكير وهو يقرأ، ورجائى أن يصل بتفكيره إلى حيث يقتنع. وقال: «يا عم» ما الفائدة إذن أن يقرأ الناس «لكاتب كبير»؟! ــ لابد أن «يرسيهم على بر». وقلت: أنا أريد للقارئ أن يرسو على «بره هو»، وليس على «برى أنا»، وعلق بابتسامة مرة أخرى قائلا: «يعنى عاوز تدوخ الناس يا أخى، قل لهم وريحهم»..
واختصرت قائلا: «على أية حال فهناك مدارس متعددة فى الكتابة!!».
ــ وعاد «مبارك» إلى سؤاله عن العلاقات بين الرئيس «السادات» وبينى ــ فقال:
«الغريب جدا أننى أحسست أن علاقته بك كانت Love - Hate Complex، قالها أيضا بالإنجليزية (عقدة محبة وكراهية فى نفس الوقت).
هو بالحق كان يتحدث كثيرا عنك بالتقدير، لكنه يأخذ عليك أنك تريد أن تفرض عليه رأيك».
قلت مستغربا:
«سيادة الرئيس ــ كيف يمكن لصحفى أن يفرض رأيه على رئيس الدولة؟!!».
رئيس الدولة عنده السلطة كلها ــ وأدواتها تحت يده ــ فكيف أستطيع أنا أو غيرى ــ من الكُتَّاب والصحفيين ــ أن نفرض شيئا عليه؟! ــ ربما يفرض عليه قائد جيش لديه سلاح، أو رئيس حزب لديه تنظيم، أو وزير داخلية عنده بوليس، أما الصحفى فلا يملك غير عرض وجهة نظره ولا أكثر، وهو يضعها أمام الرأى العام إما أن يأخذ بها أحد أو يعرض عنها، فتلك مسألة أخرى خارج قدرة أى صحفى!!
ثم قلت: العكس هو الصحيح فيما أظن، فرئيس الدولة هو فى العادة من يريد فرض رأيه على الصحفى، وهنا المشكلة!!
أضفت بوضوح يجعل موقفى واضحا أمامه:
«وفيما يتعلق بموقفى مع الرئيس «السادات»، فإننى لم أقتنع بما اتخذ من سياسات أثناء أكتوبر وبعدها عندما جاء «هنرى كيسنجر» وأقنع «السادات» وتصرف الرئيس على أساس أن الولايات المتحدة تملك 99% من أوراق حل أزمة الشرق الأوسط، وأن «هنرى كيسنجر» هو من يمسك بالقرار السياسى الأمريكى ــ وكان لى رأى مختلف، وقد تمسكت به وفى ذهنى أن الرئيس الأمريكى بنفسه أو بوزير خارجيته غير قادر على الفعل لأسباب كثيرة، حتى لو أراد، وفى الأوضاع الحالية فإن الإدارة الأمريكية فى شلل بسبب ورطة الرئيس فى فضيحة «ووترچيت».
واستطردت:
«ومن جانبى فلم أستطع غير التحفظ على هذه السياسة الجديدة، وقد عبَّرت عن أفكارى فى أكثر من عشر مقالات ضايقت الرئيس «السادات»، واعتبر أننى بكتابتها أعرقل توجهاته، ومن هنا كان ضيقه.
وفى هذا الموضع من الحديث قلت للرئيس إن ذلك الخلاف قصة طويلة، ولا أريد أن أضيع وقته فيها، لكنه طلب أن يسمع، واستدعى أحد
سكرتيريه وأمره بتأجيل موعد كان لديه فى الساعة العاشرة والنصف.

كان الرئيس «مبارك» كما بدا لى وقد طالت جلستنا حتى تلك اللحظة أكثر من ساعتين ــ متشوقا على نحو ما ليسمع، وعندما طلب تأجيل موعد معه فى الساعة العاشرة والنصف، فقد أدركت أننا أمام لقاء سوف يطول، وحتى عندما عرضت الاستئذان كى لا أعطل ارتباطات سابقة له، على أن نعود بعد ذلك ونتقابل فى مناقشة أخرى ــ كان إصراره «أننا الآن هنا ــ إلا إذا كنت «زهقت»، وأكدت أننى لم «أزهق»، ولكن خشيتى على وقته، ولعله أراد طمأنتى ــ وربما إغرائى، فإذا هو يسألنى:
ــ ألا تريد أن تدخن سيجارا ــ أنا أعرف أنك من مدخنى السيجار، وأنا مثلك.
وأبديت الدهشة، فقال إنه لا يظهر فى الصور بالسيجار لكى يتجنب «القرشنة» ــ!ــ لكنه يدخن سيجارا واحدا كل يوم، ثم ضغط على جرس يطلب صندوق السيجار.
وجاء الصندوق مع أحد الضباط، وطلب «مبارك» تقديمه إلى بالإشارة، وأخذت منه سيجارا، وأخذ هو سيجارا.
ثم سألنى وهو يرانى أشعل عود كبريت: «سيجار كويس»؟!!
ولم أقل شيئا، ويظهر أنه أحس أننى لا أشاركه الرأى.
وقلت: «بكل احترام ــ الحقيقة أنه مقبول».
وقال باستنكار: «إيه؟! ــ هذا «روميو وچولييت».
وقلت: «الشركة التى تنتج سيجار «روميو وچولييت» تنتج أكثر من 75 نوعا بعلامتها، وكل نوع منها مختلف عن الآخر».
وسأل «مبارك» باهتمام:
«أُمال إيه بقى السيجار الكويس؟!».
وقلت «بإذنك فى سيارتى علبة صغيرة فيها سيجار، ولم أدخل بها لأنى لم أتصور أنك تدخن، وإذا وافقت نطلبه».
وجاءت العلبة، وعرضت على الرئيس «مبارك» أن يتفضل، فأخذ واحدا منها وأشعله، وكانت ملاحظته: والله أحسن فعلا ــ «غريبة جدا»!!
وقال وهو يستعيد الذكريات:
«عندما كنا نتدرب فى الاتحاد السوڤييتى كطيارين، كنا نشترى هذا السيجار (الذى لم يعجبك!!) ونبعث به إلى قادة السلاح، وكانوا يعتبرون ذلك «فخفخة»!».
ثم عاودته الذكريات فقال:
ــ أيام التدريب فى الاتحاد السوڤييتى كنا فى قاعدة جوية قرب «خاركوف»، وفى الإجازة ننزل إلى «موسكو»، وكنا نخفى الورقة «أم مائة دولار» تحت الشراب بعد أن نغطيها بقطعة من ورق التواليت، (أضاف أن ورق التواليت فى روسيا سميك وخشن مثل الخيش)، ثم نغيرها فى السوق السوداء عن طريق موظف فى مكتب الملحق العسكرى بمبلغ كبير من الروبلات، ونشترى علبا من هذا السيجار ونشحنها إلى قادة السلاح فى مصر. واستطرد: كان «الروبل» بالسعر الرسمى يساوى أكثر من دولار واحد، لكن السعر فى السوق السوداء كان 21 روبلا لكل دولار، فارق كبير، أضاف، «لكن الواد بتاع المكتب العسكرى كان جن».

مبارك ونتينياهو
●●●
وعاد «مبارك» فجذب نفسا من السيجار الذى قدمته له، وقال: «فعلا لك حق هذا أحسن جدا»، ولكنهم (يقصد القادة الذين كان يرسل لهم السيجار) كانوا يعتقدون أن الاتحاد السوڤييتى يأخذ سيجار كوبا مقابل السلاح، وقلت: «ذلك صحيح إلى حد ما، لكن أفضل أنواع السيجار الذى تنتجه كوبا كانت للتصدير بالعملة الصعبة إلى الغرب، وما تبقى من الدرجة الثالثة والرابعة يذهب إلى الاتحاد السوڤييتى ويشتريه الزوار بحُسن نية».
ومد الرئيس «مبارك» يده إلى جرس، فدعى أحد الضباط، ثم التفت وقال:
ــ «محمد» بيه ملِّى عليه كل أنواع السيجار «الكويس»!
وقلت ما مؤداه «أن لكل نوع من السيجار مذاقا، وأن كل مذاق مسألة اختيار، ولذلك فإنه من الصعب على مدخن أن يوصى غيره بنوع معين».
وقال: معلش «ملِّيه» الأنواع «الأبهة» (المتميزة).
وكان الضابط قد أسرع وجاء بورقة وقلم مستعدا لكى أمليه.
وعاد إلى تجربة «السيجار» الذى قدمته له، وقال:
ــ «فعلا كويس جدا».
ثم أضاف ضاحكا:
ــ يا أخى عاوزين نتعلم «العز».
ولفت تعبير «العز» نظرى، وقلت:
إنها ليست مسألة «عز»، ولكنها ظروف، وأنا شخصيا تعلمت تدخين السيجار (لسوء الحظ!) من رجلين: «نجيب الهلالى» (باشا)، ثم «فؤاد سراج الدين» (باشا)، كلاهما فى شبابى كانوا يقدمون لضيوفهم سيجارا عندما يشعلون لأنفسهم واحدا، وكنت أقبل الدعوة من باب «التجربة»، لكنى فيما بعد وقعت فى فخ «العادة»!
وقال «مبارك»:
ــ «إنه لاحظ أن كل الرؤساء الأمريكان يدخنون سيجارا، ويمارسون لعبة الجولف، وأنت أيضا تلعب الجولف».
وقلت بسرعة: «صحيح، ولكن بدون رئاسة».
وبادر معلقا «والله أحسن يا أخى، الناس تتصور أن الرئاسة شىء عظيم، والحقيقة أنها «بلوة»!!».
وقلت شيئا عن لعبة الجولف، وكيف أنها خير معلم للسياسة، وسألنى: كيف؟! ــ وشرحت قدر ما أستطيع لعبة الجولف، وعلاقتها الوثيقة بالعلوم الاستراتيچية.
واستمع إلىَّ باهتمام، ثم كان تعليقه: لكنها لعبة تأخذ وقتا، وأنا أفضل السرعة، ولذلك ألعب الإسكواش، وهى لعبة «موصوفة» للطيارين لشحن قدرتهم على الـ Agility «الاستجابة السريعة».
●●●
وهز «مبارك» رأسه بأسف وقال:
ــ «الآن لا وقت عندى حتى للإسكواش، لأن العبء ثقيل، وطلبات الناس لا تعرف الحدود».
وتوقف «مبارك» وتساءل:
ــ الناس «كده ليه»؟ ــ ليس عندهم إلا طلبات، يحفظون الحقوق وينسون الواجبات، والمصيبة أنهم جميعا «متخانقين»، وطلباتهم متعارضة، لا أعرف كيف تحمَّل الرئيس «جمال» أو الرئيس «أنور»؟! ــ أنا شخصيا، ولم أقض فى الرئاسة إلا شهورا ــ «طلعت روحى»!!
أشار إلى تخبط القوى السياسية، وصخب الصحافة والصحفيين.
وقال «مبارك» ويداه تسبقان إلى التعبير عما يريد قوله:
ــ «والله لو تعبت من كثرة الطلبات والخلافات، سوف أتركها لهم، وأسلم كل شىء للقوات المسلحة، وأترك الجميع «ياكلوا فى بعضهم»، وأخلِّص نفسي!!».
(وكأنها كانت نبوءة مبكرة!!).
ورجوته ألا يفكر على هذا النحو.
●●●
وعاد «مبارك» مرة أخرى إلى خلافى مع الرئيس «السادات»، وكان فى واقع الأمر يفصح عن آرائه هو نفسه ــ يقول:
ــ «السادات» كان على حق، لا أعرف لماذا اختار الرئيس «جمال» صداقة السوڤييت، وهم ناس «فَقْرى»، و«السادات» اختار الأمريكان وهم «المتريشين» (يقصد الأغنياء)، أكبر خطأ وقع فيه الرئيس «عبد الناصر» هو الخلاف مع أمريكا.
استطرد: «وبعدين الرئيس «أنور» اختار السلام مع إسرائيل، والرئيس «جمال» كان لابد أن يعرف أنه لا فائدة من الحرب مع إسرائيل».
واستطرد: «اليهود مسيطرين على الدنيا كلها، وأنت تعرف أكثر!!
اسمعها منى لا يستطيع أحد أن يختلف مع أمريكا».
أنا أعرف أنك كنت من أنصار علاقات طيبة مع أمريكا ــ فلماذا غيَّرت رأيك؟!!».
وأجاب بنفسه على سؤاله:
ــ «يا عم»، الذى لا يعرف أن أمريكا هى أقوى قوة فى العالم ــ «يعك».
ولم أعلق على الكلمة، ففى أثناء الحديث سمعت من هذا النوع من الكلمات «عينات» متكررة.
ورحت أشرح له رأيى:
ــ «أننى لا أختلف على أن أمريكا هى أقوى قوة فى العالم، ولكن المسألة هى: من أى موقع يتعامل الأطراف مع القوة الأمريكية» (استطردت وبشكل ما فقد قصدت أن يصل إليه ما كنت أقول)، إذا تعاملت مع أمريكا من منطق أنك تحتاج إليها، فلن تصل إلى شىء، وإذا تعاملت معها باعتبار أنها فى حاجة إليك، فقد تنجح».
وقاطعنى:
ــ «تريد أن تقول لى إن أمريكا تحتاج إلينا ــ طبعا لا ــ نحن الذين نحتاج إليها!!».
وقلت:
ــ «سيادة الرئيس.. إن الاحتياج لابد أن يكون متوازيا فى السياسة الدولية، وإذا جاء الاحتياج من طرف واحد ــ إذن فهو عالة على غيره، وحتى إذا قبل هو، فإن الطرف الآخر لن يقبل، ببساطة لأن السياسة الدولية ليست جمعية خيرية!!».
وأضفت:
ــ «أنه هنا أهمية موارد مصر الاستراتيچية، وقدرتها على إدارة هذه الموارد، وهنا مثلا أهمية انتماء مصر العربى.
بمعنى إذا لم تكن مصر من هذه الأمة العربية بالطبيعة، فلابد أن تكون منها بالضرورة.
بصراحة، أنا قومى عربى باقتناع، وبطبائع الأشياء فإن أحدا لا يستطيع الاقتناع إلا بما يتوافق مع مصلحة وطنه كما يقدرها ــ وفضلا عن اقتناعى ــ مبدأ ــ بعروبة مصر، فإننى مقتنع بضرورة هذه العروبة أيضا لمصر، وكذلك لكل بلد عربى».
ثم قلت:
«فارق ــ سيادة الرئيس ــ بين أن تتعامل مع أمريكا كمصر فقط ــ وهى بلد مثقل بحجم سكانه، محدود فى طاقة موارده، وبين أن تتعامل معها وهى وسط العالم العربى ــ بكل قوة الأمة، وبجميع إمكانياتها ومواردها!!
السادات وكارتر
●●●
زدت على ذلك:
ــ هذا أيضا ــ سيادة الرئيس ــ هو ما يمكن أن يعطيك تأثيرا فى العالم الثالث كله وفى العالم الأوسع، إذا كنت وحدك، فالتأثير محدود، وإذا كنت وسط كتلة كبرى، إذن فهناك حساب آخر لتأثيرك».
أضفت: «مذكرا الرئيس بحوار منشور لى مع «كيسنجر» يوم 7 نوفمبر 1973، فى أعقاب حرب أكتوبر، وكان هو الآخر قد اقترح عليَّ فى حينها أن أقتصر فى كلامى معه على ما يخص مصر وحدها، دون العالم العربى، وكان ردى عليه: أنه يريد أن ينزع أهم أوراقى التفاوضية من أول لحظة».
وذكرت له كيف قلت لـ«كيسنجر» وذلك منشور فى مقال لى فى «الأهرام» ذلك الوقت:
ــ دكتور «كيسنجر»: أنت أستاذ علوم سياسية، ولا يصح لى أن ألف وأدور معك أو ألعب «الاستغماية» Hide& seek، ولذلك أحدثك بصراحة:
إذا اقتصر اهتمام مصر على قضاياها وحدها، فهى تحتاج لكم.
إذا كانت مصر وسط أمتها العربية فأنتم تحتاجون لها.
ولذلك دعنا من أول لحظة نتفق على أن اهتمامات مصر حتى بصرف النظر عن هويتها ــ عربية، وهى تريد علاقات طيبة معكم، لكن عليكم أن تقدروا بأنفسكم أنكم أيضا فى حاجة إلى علاقات طيبة معها.
(والحقيقة أننى قصدت أن أتوسع أمام «مبارك» فيما قلت لـ «كيسنجر»، حتى تصل وجهة نظرى إليه، دون أن تتبدى «وعظية» إذا وجهتها مباشرة إليه).
جمال عبد الناصر وبرجينيف
●●●
وقطع «مبارك» سياق كلامى قائلا:
ــ «هذا هو ما جلب لنا المشاكل، والحقيقة أننى مختلف معك ــ وموافق مع الرئيس «السادات» ــ فمشكلتنا أننا تحملنا بمشاكل غيرنا وليس مشاكل مصر وحدها، نقتصر عليها ونحلها بأسلوب عملى».
وقلت: لا أظن أن هناك ــ فى عزلة عن العالم العربى ــ حلا لمشاكل مصر وحدها ــ لا خيالى ولا عملى!!
●●●
عاد الرئيس «مبارك» إلى حديث «أمريكا» ــ قائلا:
ــ «أنت تنسى أنه لا أحد يستطيع مساعدتنا على إسرائيل إلا أمريكا، العرب شمتوا فينا سنة 1967، مع أنهم هم الذين ورَّطونا فى الحرب».
وأضاف:
ــ «أنا أعرف «الأسد» (يقصد «حافظ الأسد») من أيام الطيران، وهو قال لى إن «حزب البعث» قصد توريط «عبد الناصر» فى حرب سنة 1967».
واستطرد فى تفاصيل علاقته مع «حافظ الأسد».
وقلت: «إننى معه فى أن نظما بعينها هنا وهناك حاولت مرات توريط «عبد الناصر»، ثم رُحت أشرح له بعض ظروف القرار السياسى سنة 1967، وضمنه ــ وبصرف النظر عن التربص الخارجى ــ أن القرار المصرى وقع فى أخطاء لم يكن هناك مبرر لها، أخطرها قرار الانسحاب من سيناء بكل القوات فى ليلة واحدة (7 يونيو 1967)».
وأخذنا هذا الحديث إلى كلام إلى تفاصيل متشعبة عن ظروف وملابسات سنة 1967، وحكى لى أنه كان مع سرب القاذفات المتمركزة فى مطار «بنى سويف»، وقال إنه قرأ التحقيقات التى جرت عن تلك الحرب، لأن الرئيس «السادات» عينه رئيسا للجنة كتابة التاريخ عندما كان نائبا له، وأنهم استطاعوا فى اللجنة أن يجمعوا أكثر من مليونى ورقة من الوثائق، وأنه اطلع على بعضها بنفسه، لكن ضيق الوقت لم يمكنه من قراءة الكثير».
أضاف «أنه مع ذلك يعتقد أن علاقاتنا مع أمريكا من ألزم الضرورات، وبالتحديد فيما يتعلق بإسرائيل».
ثم استطرد وهو يهز رأسه:
ــ «بعض الناس يريدوننى أن أقيم علاقات كاملة مع إسرائيل ــ ويريدون ذلك الآن ــ ولكن عليَّ الانتظار ــ أنا أنتظر على أحر من الجمر أن يجىء أبريل ويخرجوا من الأرض المصرية كلها».
أضاف: «هل يظن الناس أن التعامل مع الإسرائيليين يسعدنى؟! ــ هناك فارق بين أن أعترف بقوة إسرائيل، وبين أن أحبها!!».
ثم استدرك:
«محمد» (بيه) أقسم لك أنهم «يسمُّون بدني» فى كل مرة ألتقى «بواحد منهم»، أتضايق منهم ويفوت منى موعد نومى وأسهر الليل أشتمهم».
وقلت: «إننى أفهمه، لكنه من حسن حظى أننى لست مضطرا لمقابلتهم، ولهذا فأنا كمبدأ لم أقابل منهم أحدا».
وقال بسرعة: «ولكن كيف تستطيع أن تفعل ذلك إذا كنت مسئولا؟!».
وقلت: «ولكنى والحمد لله غير مسئول».
عبد الناصر يترأس إحدى القمم العربية
●●●
وقال الرئيس «مبارك»:
ــ هذا موضوع كنت أريد أن أكلمك فيه».
ثم استطرد قائلا برقة بادئا بكلام كريم، لكن نبرة العتاب تشيع فيه:
«الرئيس أنور» تعب معك حتى تتعاون معه».
وسألته: «كيف يستطيع أحد أن يتعاون فى سياسة لا يؤمن بها؟!».
قال: «تستطيع أن تساعد دون أن تتعامل مع إسرائيل».
وقلت: «إن منصب الوزارة عرض من سنة 1956، وكنت لا أزال شابا قد تغريه المناصب، والرئيس «السادات» عاد بعد ذلك فعرض عليَّ منصب نائب رئيس الوزراء، أو رئيس الديوان السياسى».
وقال: «أعرف ذلك، ولم أقصد أن أحدثك عن منصب».
أسألك سؤالا صريحا ومحددا ــ قالها وهو يتطلع إلىَّ مركزا: «ما رأيك أن تدخل الحزب الوطنى؟!!».
وبدا أننى أصبت برعب، وقلت له: إننى لم أدخل الاتحاد الاشتراكى مع «جمال عبد الناصر» رغم عمق صداقتنا ورغم إلحاحه مرات ــ لأنى لا أعتقد فى هذا النوع من التنظيمات السياسية التى تقوم فى حضن السلطة، وفضلا عن ذلك فلست من أنصار أن ينتمى الصحفى حزبيا».
●●●
سكت قليلا ثم سألنى:
«إذا لم تكن تفكر فى دخول الحزب، فماذا تنوى أن تفعل؟!».
أضاف: «لا يُعقل أنك سوف تجلس فى بيتك ساكتا!».
وقلت ضاحكا:
«أنه ليس له أن يقلق، فأنا لا أنوى الانضمام إلى قائمة المتعطلين الذين يبحثون عن عمل».
أضفت: «لديَّ عقود لكتب جديدة مع «الناشرين» فى لندن ونيويورك بعد ستة كتب سبقت، تُرجمت وجميعا من الإنجليزية إلى لغات كثيرة، وآخرها كان كتاب «عودة آية الله» The Return of The Ayatollah عن الثورة الإيرانية، وقد صدر فى أوروبا وأمريكا أثناء وجودى فى السجن، وقد تُرجم حتى الآن إلى سبع عشرة لغة ــ ثم إنه فور خروجى من السجن اتصل بى «أندريه دويتش» وهو أكبر الناشرين فى لندن، وسألنى إذا كان فى استطاعتى أن أقدم لهم بسرعة كتابا عن السبب الذى دعا إلى اغتيال «السادات»، وهو فى رأيهم «بطل السلام»، وقد قبلت عرضه، وذلك ضمن ما سوف أناقشه فى سفرة قريبة إلى لندن».
وقاطعنى: «كتاب عن الرئيس «أنور»؟!!
وقلت: «ليس عنه، ولكن عن عملية الاغتيال بالتحديد، وقد عثرت على عنوانه وأنا فى السجن، فقد كنت أفكر فى شىء من هذا القبيل، حتى قبل أن يتصل بى أحد من لندن، وعثرت أثناء تفكيرى فيه على عنوان له: «خريف الغضب»!.
وكرر الرئيس عنوان الكتاب المقترح كما سمعه منى، وبدا حائرا فى فهم مقصدى به، لكنه تجاوز حيرته.
وعلَّق بقوله: «ولكن هذا سوف يسبب لك مشاكل كثيرة، لأن الرئيس «أنور» له «جماعات كبيرة»!».
وقلت: «أما عن المشاكل فقد تعوَّدت عليها، ثم إننى أرجوك أن تعرف أن الرئيس «السادات» كان صديقا، وليس مشكلة أن تختلف آراؤنا، وأن تتباعد الطرق بيننا، لكن ذلك لم يترك أثرا لدىَّ».
زدت على ذلك: «أنه عندما وقع اغتيال الرئيس «السادات» وعرفت به فى السجن، فإنى بكيت عليه بصدق، وساعتها زال كل أثر للخلاف وما ترتب عليه، لأن الدم والدموع غسلت كل شىء!!».
●●●
وجاءنى تعليقه مفاجئا:
«لم أكن أعرف أن الكتب «شغلانة كويسة»!!
وقلت: «أننى لا أعرف تصوره لـ «الشغلانة الكويسة»، لكن الكتابة بالنسبة لى حياتى كلها!!».
وعاد يسألنى:
«ولكن ألا تفكر فى العودة للصحافة المصرية؟!».
وقلت:
«إن ذلك بعيد عن تفكيرى تماما، فقد اعتبرت أن دورى فى الصحافة المصرية انتهى بخروجى من «الأهرام»، وأوثر أن أترك المجال لآخرين، وكذلك لأجيال أخرى».
ووجدها فرصة يعود بها إلى اقتراحه، فقال: «خسارة ألا يستفيد منك البلد» ــ وسألته: «ألا يرى فى وجود صحفى وكاتب مصرى فى مجال النشر الدولى فائدة للبلد؟!!».
وشرحت بعض التفاصيل عن حجم النشر الدولى، سواء فى الكتب أو فى الصحف، وبالتحديد عندما يقع الجمع بين الاثنين، فيصدر كتاب، ثم تُنشر فصول منه فى آلاف الصحف على اتساع العالم.
●●●
ورد بأنه مازال يرى «أن أنضم إلى الحزب الوطنى، والمجال فيه بلا حدود»!!
وقلت: «أنت تريد أن تضمنى إلى الحزب الوطنى، وأنا وغيرى نريدك أن تخرج منه».
وسألنى عن السبب، وهل الأحزاب «بعبع»، أو أنها وسيلة العمل السياسي؟! ــ وقلت: «الصحفى بصفة عامة يتعامل مع الأخبار، والأخبار لها استقلالها، وتلوينها بظلال التحزب، مخالف لقيمتها ومصداقيتها».
واصلت الحديث:
ــ ولعله يتذكر يوم جئناه من المعتقل قبل أيام ــ أنه سمع بعضنا يناشدونه مباشرة لترك رئاسة الحزب الوطنى، وقلت إنه فى العادة وفى النظام الرئاسى بالذات، فإن الرئيس حتى وإن كان منتميا إلى حزب، يجمد انتماءه لهذا الحزب فترة رئاسته.
وقال بلهجة قاطعة: «لو تركت الحزب فسوف يقع».
وقلت: إذن فإن الحزب لا وزن له فى حد ذاته، وهو يستمد وجوده من السلطة، وليس من الناس، وهذا هو الخطر.
قال:
ــ «تخوفك من الحزب الوطنى مُبالغ فيه، ووجودى فيه ليس المشكلة، المشكلة فى العمل التنفيذى، فى الحكومة وأنت تعرف حجم المشاكل، وزاد علينا خطر الإرهاب، والناس تطلب «لبن العصفور»، ولابد من الاستقرار قبل أن نستطيع عمل أى شيء، والجماعات الإرهابية كامنة، وتنتشر تحت الأرض».
●●●
وبدورى قاطعته:
ــ «والنظام يساعدها».
واستغرب ما قلته وهو يسألنى:
ــ «النظام يساعدها ــ كيف؟!».
قلت له: «هناك بالطبع المشاكل الاقتصادية الاجتماعية، وهذه مشاكل ثقيلة، لكن هناك أشياء أخرى منها مثلا كثرة البرامج الدينية البعيدة عن قيم الدين، وكثرة الفتاوى فيما لا علاقة له بروح الدين.. كل هذا يسيء ــ لكن كله يشحن!!».
وزدت فقلت: «إننى سألت أحد زملائنا القُدامى فى مركز الدراسات السياسية والاستراتيچية فى «الأهرام» أن يدرس مساحة البرامج الدينية على الإذاعة والتليفزيون، وفوجئت حين قيل لى إن نتائج بحثه فى الموضوع، أظهرت أن أكثر من 27% من مساحة البرامج ــ دينية، أو ذات طابع دينى، وأنا رجل من أسرة متدينة، وأعرف قيمة الدين هداية وعصمة، ثم إننى من أسرة كان أول تقاليدها أن يحفظ أبناؤها القرآن، وقد حفظته كله، لكنى لا أستطيع أن أتصور بعض ما يُقال فى البرامج الدينية.
أضفت آسفا: إننى سمعت بنفسى من «إذاعة القرآن الكريم» من القاهرة، وفى معرض برنامج من برامج التواصل مع السامعين، سائلا يستفسر عن «كيفية الاغتسال بعد ممارسة الجنس مع بقرة»، وبقدر ما أفزعنى السؤال، فقد أفزعنى أكثر أن أحد الشيوخ جاوب عليه، وراح يحدد لسائله وسائل الاغتسال المطلوبة فى تلك الحالة!!».
وأغرق «مبارك» فى الضحك ــ ثم قال:
ــ «التوسع فى البرامج الدينية ضرورى، لأننا لابد أن نواجه الإرهابيين على أرضيتهم، ونأخذ منهم الناس».
وقلت:
ــ «المشكلة أنك إذا واجهت الإرهابيين على أرضيتهم، وبهذه الطريقة، فسوف تقبل الاحتكام إلى قانون لا تعرف مصدره، ولا تعرف نصه، ولا تعرف قاضيه».
وتوقف عند هذا التعبير وبدت عليه الحيرة، وقال لي: «هل يمكن أن تفك لى هذا الكلام «الملعبك»؟!!
وحاولت شرح وجهة نظرى بأسلوب آخر!!
وقال وهو يعاود الضحك:
ــ «هل علىَّ أنا أيضا أن أهتم بالرجل الذى يعشق (استعمل لفظا آخر غير العشق!) ــ بقرة؟!!».
وقلت له بسرعة: «لا أحد يتصور أن يطلب منك ذلك، ولكن الناس تطلب رؤية للمستقبل مقنعة».
●●●
ووصل الحديث بنا إلى أسلوب عمل رئاسة الدولة، واقترحت «أنه من الضرورى والرئاسة بهذا الدور المركزى ــ أن يُعاد تنظيمها بطريقة ملائمة للعصر».
وسألنى عما أعنى، وقلت:
«إننى لاحظت منذ خرجنا من المعتقل قبل أسبوع، أن الرئاسة تُدار بأسلوب يحتاج إلى مراجعة».
وكان يسمعنى باهتمام، وواصلت:
«إننى سمعت من أصدقاء بينهم «فؤاد سراج الدين»، و«ممتاز نصار»، أنك بعثت إليهم برسائل منك أو ملاحظات مع «أسامة الباز»، وذلك حدث معى شخصيا أيضا ــ و«أسامة» كما تعرف صديقى، وكان يعمل معى لسنوات، وأنت تثق فيه ولا أفهم لماذا تجعله يعمل بطريقة «بائع متجول على عربة يد»، تبعثه برسالة إليَّ، أو رسالة إلى غيرى، لماذا لا تعين «أسامة الباز» وزيرا لشئون رئاسة الجمهورية، وتُنشئ له مقرا فى القصر الرئاسى يعرفه الناس، وتكلفه بإنشاء مكتب فيه خبراء فى القانون والاقتصاد، ومتحدث رسمى باسم الرئاسة يعبر عن رؤاها فى الداخل وفى الخارج، وبذلك يكون هناك مصدر معروف تصدر منه الرسائل والتوجُهات، ومقر يذهب إليه الناس للاتصال والتشاور!!
وقال بلهجة تنم عن تردد:
ــ «المسألة أننى لا أريد أكرر ما يسمح بظهور مركز قوة فى الرئاسة، وأنت تعرف تجربة «سامى شرف» مع الرئيس «جمال»، المشكلة أن وجود رجل فى مثل هذا الوضع قد يؤدى إلى عُزلة الرئاسة عن الناس بوجود رجل يستطيع أن يحجب ويسمح بما يشاء، وهى مشكلة عرفناها».
وقلت: «إن الأمر يتوقف على شخصية الرئيس، وأسلوب عمله، ومع ذلك فدعنى أقل لك إن «سامى» مظلوم فى بعض ما قيل عنه، ومع ذلك فإن الأمر يتعلق بك أنت وأسلوب عملك».
وأضفت:
«وأنا شخصيا أرى أن ترسل أحدا إلى البيت الأبيض فى واشنطن، أو إلى «10 دواننج ستريت» فى لندن، ليدرس كيف تُدار مكاتب رؤساء الدول فى هذا العصر الجديد، وتقرر ــ أنت ــ على هذا الأساس أى نظام يحقق لك ما تريد بأقصى قدر من الكفاءة!!».
وحدثته عما أعرفه عن تنظيم البيت الأبيض ــ ومجلس الأمن القومى ــ ونظام العلاقات مع الكونجرس ــ ومع الحزب ــ ومع الإعلام ــ وعن مؤسسات السلطة فى الداخل والخارج.
وحدثته كذلك عما أعرفه عن تنظيم «10 دواننج ستريت»، وعن مطبخ القرار السياسى، وعن مكتب الاتصال مع الحزب فى المعارضة أو فى الحكم، وعن منصب سكرتير عام مجلس الوزراء الذى يرأس المجلس التنفيذى للوكلاء الدائمين للوزارات».
وقلت: «إننا نحتاج إلى دراسة تجارب الآخرين».
وقال: «مازلت أفضل أن أعمل مباشرة بمجلس الوزراء كله.. المجلس هو مكتبى، هو نفسه سكرتارية الرئيس!».
وقلت: «إن ذلك مستحيل عمليا، ولابد أن يكون للرئيس مكتب فيه خبراء للشئون السياسية والقانونية والاقتصادية، يدرسها ويقدم له توصيات بشأنها، وإلا فإن الرئيس ليس أمامه فى هذه الحالة إلا أن يوقع مشروعات المراسيم بقوانين كما تصل إليه من مجلس الوزراء، وفى هذه الحالة فإن الرئاسة لا تعود مركز توجيه العمل الوطنى، وإنما تصبح توقيعا وختما على المراسيم، يحولها إلى قوانين!!».
وبدت عليه أعراض تحيُّر، وقال:
ــ «كلامك فيه منطق، و«أسامة الباز» له معى تجربة طويلة!».
قلت: «هو موضع ثقتك وهذا مهم، وأنا أعرف أن «أسامة» لديه «شطحات بوهيمية» فى بعض الأحيان، لكنه من المحتمل أن بعض ذلك عائد إلى أنه يعمل بلا مكتب وبلا مؤسسة معه، وإنما هو رجل وحده، وهذا ما قصدته ــ بصراحة ــ حين قلت لك إن الرئاسة تعمل بمنطق «البائع المتجول».
وقال بما بدا لى أنه على استعداد للبت فورا فى المسألة:
ــ «لك حق، ولابد أن يفهم «أسامة» أن عليه العمل بطريقة منظمة».
ثم رفع سماعة التليفون وطلب توصيله بـ«أسامة الباز»، وبعد خمس دقائق دق التليفون ورفع الرئيس سماعته، ثم التفت إليَّ يقول:
ــ «هل رأيت ــ «أسامة» ليس هنا، بحثوا عنه فى كل مكان، ولم يعثروا له على أثر».
وقلت دفاعا عن «أسامة»:
ــ «لابد أنك كلفته بمهمة فذهب إليها».
وقال «مبارك»: «سوف أرسله إليك فى مكتبك، وقل له كل ما تتصوره حتى أناقشه معه وأقرر».
●●●
وقارب اللقاء نهايته، وبينما أهُمْ بالقيام ــ استدعى الرئيس «مبارك» أحد أفراد سكرتاريته، وطلب منه أن يكتب على ورقة كل أرقام التليفونات الخاصة بمكتبه، بما فيها تليفونه الشخصى، طالبا أن أتصل به «فى أى وقت».
وقلت للرئيس:
«إن هذه رخصة أعتز بها لكنى لا أنوى استعمالها، وأفضل ترك أمر الاتصال فى أى وقت له، فهو رجل مشغول على الآخر، وجدول أعماله يجب أن يكون ملكه، دون إلحاح عليه من أحد».
وأضفت: «لو أننى استعملت هذا الترخيص الذى تفضَّل بإعطائه لى، لما كففت عن إبداء الملاحظات، وأول الدواعى أننى مختلف مع مجمل السياسات المُعتمدة، وإذا رُحت أبدى رأيا فى كل ما أشعر بالقلق منه، فسوف أجد نفسى أقوم بدور من «لا يعجبه العجب»، وذلك دور لا أحبه!!».
ورحنا نمشى نحو الباب، ولمح «مبارك» مصوِّر الرئاسة المشهور، الأستاذ «فاروق إبراهيم» يتحرك من بعيد، والتفت نحوى قائلا: «دعنا نلتقط صورة معا»، وقلت للرئيس صراحة: «أننا نستطيع أن نستغنى عن الصورة، وربما كان ذلك أفضل».
ووقف فى مكانه وتطلع إليَّ وهو يعلِّق: «غريبة ــ الناس يجيئون إلى مقابلتى وليس لديهم غرض إلا هذه الصورة».
وقلت: أننى كنت أقابل «جمال عبد الناصر» مرتين وثلاث مرات فى الأسبوع، وكذلك «السادات»، وكانت اتصالاتنا التليفونية عدة مرات كل يوم، ومع ذلك لم تُنشر صورة للقاء، ولا خبر عن اتصال تليفونى، وأنا لا أفهم «بدعة» نشر أخبار أو صور لقاءات الصحفيين مع الرئيس، لأن هذه «طبائع أشياء»، و«طبائع الأشياء» ليست خبرا ــ وتدارك قائلا: «والله لك حق، إننى أقابل كل الناس ولا يحدث شيء، لكنه عندما «عرفوا» أننى سأقابلك ــ «ولعت «اللمبة الحمراء» فى الصحافة وفى الحكومة وفى الحزب».
ولم أملك نفسى، فقلت:
«سيادة الرئيس.. هل هناك بالفعل حزب؟!».
وهز رأسه قائلا: «أنت مصمم على رأيك فى الحزب، الحزب مهم فى الاتصال بالناس وفى «تمرير القرارات»، ولفتت الكلمة الأخيرة نظري!!».
●●●
ومساء نفس يوم المقابلة اتصل بى «أسامة الباز»، ومر علىَّ فى مكتبى، يحمل فى يده دفترا من الـ Yellow Pad الذى يستعمله القانونيون فى الولايات المتحدة الأمريكية، وبادرنى قبل أن يجلس أمامى: 
ــ ما الذى اقترحته على الرئيس؟!! 
ورويت له أطرافا تخصه مما دار فى حديثى مع «مبارك»، وكان رده: 
ــ «أنت تضيع وقتك، هو له طريقة فى العمل مختلفة، وهو يفضل أن يسمع من هنا ومن هناك، ويتصرف بما يرى (وهذا كلام لك)، وسوف ترى. 
وهو لن ينشئ وزارة لشئون رئاسة الجمهورية، ولن يعيننى وزيرا لها». 
وتشعَّب الحديث بيننا، وأثناء خروجى لاحظ «أسامة الباز» وهو يمر عليَّ حيث أجلس فى مكتبى، أن هناك أوراقا كثيرة مكتوبة بخطى، وبمعرفة سابقة ووثيقة فإنه قال لي: «أراهن أن هذه الأوراق كلها نقط حديثك معه». 
وقلت: «إن ما خطر له صحيح».


25 يناير 2012

رسالة للشهيد من زوجتة!!!

إلى زوجى وصديقى ورفيق طريقى

يكاد العام يمضى منذ رؤيتك آخر مرة، ومازلنا نبكى عند سماع اسمك، أو حكاية عابرة عنك.. أترى تحس بنا وتسمع ما نقول؟ أتحس بوجع والديك فى شيخوخة لا توصف إلا بباردة منذ رحيلك؟ أتحس بألم أخين فقد أصغر من فيهما فى لحظة غدر بلا سبب؟ أم يا ترى تحس بى وببناتك ونحن نكتم أوجاعنا خوفاً من البكاء أمام بعض؟ أتعرف أن ابنتك الكبرى لم تبك إلا مرة واحدة ولا تريد أن تبكيك ثانية كاتمة حزن أو غضب لا أحد يعلم ما بها؟ وابنة صغرى بدأت تفهم وتعى وتسأل أين أبى ومتى يعود؟ لا طالما اعتقدت أنه كلام أفلام أن تجد الأم نفسها فى حيرة من الرد على سؤال بسيط مثل هذا، لكن ها أنا أقف أمامها بإجابة لا تعيها ولا تكفى لسد حاجتها لوجودك.
ياترى تسمع وترى ما يحدث لبلد فديته بعمرك؟ أرأيت باقى شهداء العام؟ من قالوا عنهم أموات ماسبيرو وبلطجية محمد محمود ومندسين مجلس الوزراء؟ إنهم يأبون أن يلقبوهم بالشهداء، وكأنهم ينتظرون أسماء من بشر خائنين.. قل لهم إن الشهادة سواء.. وإن الله عادل سيرد لهم غيبتهم من بشر لا يرحمون.
أرأيت ما يحدث لبنات نزلن ليطالبن بحقك وحق من قتلوا غدراً؟ أهذا ما كنت تراه عندما أتاك ملك الموت، غداً قبيحاً تكره أن تعيشه؟ أم غداً أفضل لم يأت بعد؟ أياترى إن كنت عشت ورأيت كنت ستسكت؟ أم كانت نخوة تجرى بعروقك ستجبرك على الوقوف فى وجه ظالم جائر هاتك أعراض أطهر بنات فى بلد بات سنين هرمه مقلوباً؟ كل ما أفكر: ماذا لو لم تمت يوم 28 يناير؟ أتذكر أن الموت كان سيأتيك إما مدهوساً أو مخنوقاً أو حتى ترجع لنا مفقوء العين، فيزداد صبرى لعلمى أن المصير واحد والثواب واحد والألم لفقدانك واحد.
أيا ترى علمت أنه بعدما مر ما يقرب من عام لم نأت لك بثأر يهدئ نفوساً ويطيب خاطراً ويقنع بعدالة قائمة؟ أم يا ترى سمعت ورأيت قتلتك والمحرضين ينعمون وراء قضبان صورية، ومازالوا يبتسمون فى تكبر ويتلقون تحيات رسمية ومعاملة مميزة، مكافأة على قتلكم بدم بارد.. ألا يعلمون أن الظلم قاتل، وينكأ جراحاً لم ولن تندمل؟ ولكنى مازلت أثق بعدالة سماوية وبشباب لن يترك مكانه إلا إذا رأى حكماً عادلاً وتغييراً حقيقياً فتهدأ نفسى وتنتظر.
أكتب لك وعينى تدمع، ويطن فى أذنى لحن كنت تردده على مسامعى عن بلد نفديه بأرواحنا وجيش آمنت أنت به لحمايته. أمازلت عند إيمانك؟ أمازلت ترى غداً أفضل وجب علينا انتظاره؟ عهدتك صامتاً مفكراً متأنياً فى خطواتك، أيا ترى مازلت صامتاً؟ صمت تفكير فيما يحدث.. أم صمت حزن مما يحدث؟
انتظرنا أن نراك فى منام تبشرنا وتطمئننا، ولكنك جئت تطالبنا بألا نضيع ما بدأته، وأن نكمل ثورة حصدت من الأرواح ما يكفيها، ومصابين يعيشون بألم وأمل لإتمامها.
أعدك ألا أفرط فى غد أفضل مت من أجله، وقصاص عادل يرد لك حقك، وبلد آمنت بحمايته وتطهيره لتعيش فيه بناتك يتباهين بثورة مات فى سبيلها أبوهن.. وأعلم أنهم إن قتلوا رجال هذا البلد لنزلت نساؤه يطالبن بحقكم.. وأنا معهن.. فانتظرنى لآتى بحقك.. أو آتيك شهيدة.

12 يناير 2012

الرئيس الصفقة.



محمد المنسي قنديل
بعد أن توالت الشواهد على أن مبارك كان محدود الذكاء ومتواضع الإمكانيات، وهى صفات لم تكن تؤهله بالقطع لحكم مصر، أحس الكثيرون أن رئاسة الجمهورية منصب تافه، لا يحتاج صاحبه إلى فكر أو رؤية، بينما سدنة السلطة يقومون بصنع أسطورته الخاصة، ويسبغون عليه الألقاب الفخمة مثل زعيم التحرر العربى، الرئيس المؤمن، بطل الضربة الجوية، وغير ذلك من الألقاب الخادعة، ولأن المنصب قد أصبح رخيصا، فقد أخذ يسعى إليه كائن من كان، بماضيه الملوث، وبوقاحته الشخصية، وبقصوره العقلى فى أغلب الأحيان. ولست أهاجم كل من يسعون خلف هذا المنصب، ولكنى أدين بالتقدير والإعجاب لفئة قليلة منهم، بينما يصيبنى معظمهم بالغثيان، فلا أستطيع أن أنكر الدور الريادى الذى قام به الدكتور محمد البرادعى فى تفجير ثورة 25 يناير، عندما اخترق القبضة الحديدية لأسرة مبارك التى كانوا يحاصرون بها مصر، ويحولونها إلى ملكية شخصية، فقد أعلن أن التوريث ليس مصيرا حتميا، ورفض الاعتراف بالنصوص الدستورية الملفقة أو الانضمام إلى الأحزاب الكرتونية، وبث فى شباب الثورة الوعى بضرورة التغير، وقد تحمل فى سبيل ذلك الحملة الضارية التى شنها عليه عبدة السلطة، وما زالت الحملة متواصلة حتى الآن، فالذين كانوا يعبدون مبارك، تحولوا إلى عبادة المجلس العسكرى دون إحساس بالفرق، ولا أستطيع أن أنكر دور حمدين صباحى، المناضل الناصرى العتيد الذى دافع عن شرف جيلنا من الطلبة، عندما وقف منتقدا السادات قبل توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وتسبب هذا الموقف فى إغلاق أبواب العمل أمامه، كان أصغر معتقل سياسى فى أحداث يناير 79، وانتخب رغما عن أنف سلطة مبارك نائبا فى مجلس الشعب، حتى إن الشرطة حاصرت اللجان الانتخابية لتمنع الأهالى من الوصول إليها، ولكن حصانته كنائب لم تحمه من الاعتقال والاعتداء عليه بدنيا، حين ارتفع صوته معارضا السلطة العاتية، وحمدين زعيم شعبى من نوع خاص، خرج من برارى كفر الشيخ وبلطيم دون أن ينفصل عن جذوره، وانتخابه لرئاسة الجمهورية سيكون نتيجة طبيعية لثورة 25 يناير التى كان واحدا من صناعها، ولا أنكر أيضا الدور الذى قام به أيمن نور عندما وقف فى مواجهة نظام التزييف المطلق الذى أدار به مبارك انتخاباته وأثبت أنه خصم لا يستهان به، ولم يطق النظام تحديه فوضعه داخل السجن، وخلال سنوات اعتقاله العصيبة جسدت زوجته السيدة جميلة إسماعيل ملحمة نادرة فى الوفاء، فقد ظلت تسعى بكبريائها الجميل من أجل خلاصه فى دأب لا يكل، كأنها إيزيس، وقد خرجت من روح الأسطورة الفرعونية، زوجة مصرية شجاعة تحاول أن تسترد زوجها من قبضة إله الشر «ست»، الذى كان مبارك يرتدى قناعه، هؤلاء الرجال الثلاثة هم نماذج مشرقة لأجيال قاومت عصرا كاملا من الامتهان لكرامة الوطن، وأراهم جديرين بهذا المنصب، لأنهم دفعوا ثمنه من أمنهم وحياتهم، كما أن دم الشهداء وضع على أرواحهم دروعا من الصلابة السياسية، يجعلها غير مهيأة للتنازل أو المساومة، ومن المؤسف أن هذا ما يقلل من فرصهم لدى المجلس العسكرى الذى يمسك بزمام الأمور.
وفى المقابل فإن أسباب الغثيان كثيرة، فماذا يمكن أن يقال عن شخصية شديدة التلون مثل عمرو موسى، ذلك الكهل الذى أفنى عمره فى ظل مبارك، وزيرا وأمينا للجامعة العربية دون أن يحقق إنجازا واحدا غير فوزه بأغنية تافهة من شعبان عبد الرحيم، لقد كان واحدا من المنسقين الأوائل لصفقة بيع الغاز المصرى لإسرائيل، بدعوى ساذجة، أن هذا سيصبح عنصرا مؤثرا عليها، والنتيجة أن إسرائيل ظفرت بكل ما تريد دون أن تقدم تنازلا واحدا، وكان بالطبع مؤيدا للتوريث، وأعلن عن دعمه الصريح لجمال مبارك، ولم يهبط للميدان إلا بعد أن تأكد من خلع ولى نعمته، وترتفع درجة الغثيان مع اللواء أحمد شفيق، وبالمناسبة فهناك أكثر من أحمد شفيق فى التاريخ المصرى، هناك أحمد شفيق بن حسن موسى المؤرخ الذى كتب حوليات مصر السياسية فى تسعة أجزاء، وأحمد شفيق كامل الشاعر الذى كتب أكثر من مئة أغنية أشهرها «انت عمرى» لأم كلثوم، والدكتور أحمد شفيق الجراح الشهير الذى تم ترشيحه لجائزة نوبل فى الثمانينيات، ولم يفز بها، ولكنه فاز بلقب أفضل باحث على مستوى العالم، ولكن أسوأهم جميعا هو اللواء أحمد شفيق، وزير عتيد آخر من أصدقاء مبارك الذين حاولوا إنقاذ سفينته من الغرق، ووقعت فى أيام وزارته أسوأ المذابح الذى تعرضت لها الثورة فى «موقعة الجمل»، ورغم الاعتذار الذى قدمه فلا يعفيه هذا من المسؤولية، ولست أدرى لماذا بقى خارج القضبان إلى هذه اللحظة؟ ولماذا بعد أن أصر الثوار على إبعاده من منصبه أن يتم الدفع به من جديد؟ ولماذا يقوم بالتجوال فى الأحياء الشعبية رغم أنه يتم طرده من كل مكان يحل به؟ ربما لأن العسكر لا يفرطون فى أصدقائهم بسهولة، فظهوره على هذا النحو يعد انقلابا خطيرا على الثورة، وكان وجوده ليس كافيا، ولكن ظهر بجانبه اثنان من المرشحين العسكريين الأقل أهمية، أحدهما من داخل جهاز المخابرات، وثلاثتهم يهددونا بالعودة إلى كابوس العسكر الذى يمسك بخناقنا منذ ستة عقود.
ويتحول الأمر إلى نوع من الهزل، عندما يعلن أشخاص مثل الطاووس مرتضى منصور عن ترشيح نفسه، فهو لا يجاهر فقط بعدائه للثورة، ولكنه متهم بالتدبير لقتل المتظاهرين فى «موقعة الجمل»، ويتشابه معه مرشح آخر هو توفيق عكاشة، الذى لم أكن أعتقد أنه شخصية حقيقية، ولكنى أظنه مجرد ممثل هزلى يظهر فقط فى برنامج باسم يوسف، ولا أستطيع التحدث بالتفصيل عن مرشحى الكتلة الدينية فهم أكثر من اللازم، وكلهم متشابهون، ويرددون نفس الكلمات، ومع احترامى لهم جميعا فهم يقفون فى المكان الخاطئ، ومجرد وجودهم فى سباق الرئاسة يثير الفزع، والتصريحات التى تصدر عنهم بكثرة تهددنا داخليا وخارجيا، فهى فى الداخل تشيع مناخا من المنع والتشدد يمكن أن يشل الاقتصاد ويمنع تدفق السياحة ويعيق الانفتاح الفكرى على العالم، وخارجيا يهدد وجودهم فى سدة الحكم بعزل الوطن بأكمله عن المجتمع الدولى الذى ينبذ التعصب، ولا يميل كثيرا للتعامل مع الدول ذات الصبغة العسكرية أو الدينية.
ولكنهم بالتأكيد أكثر ذكاء من مبارك، ولا يسعون خلف معارك خاسرة، فهم جميعا على يقين أن مرشح الرئاسة القادم لن يأتى عن طريق صندوق الانتخابات، فمثلما جاء إلى الحكم برلمان لا يعبر عن الثورة، سيأتى رئيس لا يعبر عنها ولا على الشعب الذى قام بها، لذلك يبالغون فى عرض أنفسهم كشركاء طيعين فى صفقة يعقدونها مع العسكر، فالمجلس العسكرى الذى لم تفتح دفاتره منذ عام 52 ليس مستعدا لأن يأتى رئيسا مدعوما بأصوات الشعب، لكى يقلب فى هذه الدفاتر، فهو يريد رئيسا شبه شرعى، مكسور العين، مدين لهم بنجاحه فى ارتقاء هذا المنصب، وعلى استعداد لتنفيذ كل ما يملى عليه من أوامر. إن ملامح الصفقة التى عقدها العسكر مع القوى الدينية التى استولت على مجلس الشعب قد بدأت فى الظهور، وبدأ الحديث عن الخروج الآمن للعسكر، ودفع الدية فى أرواح ضحاياهم من الشهداء، وإعطائهم موقعا مميزا، وعدم المساس بالمكانة التى يحتلونها فى الاقتصاد المصرى، يتم السعى الآن لصفقة مماثلة مع الرئيس القادم، هذا الصنف من المرشحين إذن، سواء كانوا عسكريين أو دينيين أو أفاقين، ليسوا سذجا كما يبدو، فهم يسعون لنيل الرضا السامى للعسكر، لا يهمهم فى قليل أو كثير أحلام الناس البسطاء الذين يتطلعون فيها إلى عصر جديد يصعد فيه رئيس عادل، رئيس يأتى وفق صندوق الانتخابات وليس عن طريق صفقة، أيا كان نوعها، عن الطريقة الوحيدة لإفساد تلك الصفقة هى أن لا تتم انتخابات الرئاسة فى ظل حكم العسكر، وإذا تركناهم يعبثون فى مصائرنا كما فعلوا فى انتخابات مجلس الشعب، فلن نجنى شيئا من ثورتنا، اللهم قد بلغت.

تحيا ارادة الشعب المصري.

لاشك أن الثورة المصرية خلقت روحا جديدة من الارادة الكامنة لدى غالبية الشعب المصري في ربوع المحروسة من شرقها الي غربها ومن شمالها الى جنوبها في ريفها ومدنها... الارادة التي أفقدها النظام البائد حريتها في الاختيار .. ولكن هذه الارادة لم تمت فعندما جاءت الثورة لتستدعي هذه الارادة الكامنة وجدتها حاضرة وقوية !!! طالبت الثورة من بيده ادارة المرحلة الانتقالية بعزل فلول النظام البائد دون جدوى فكانت الارادة الكامنة لشعبنا العظيم هي العازلة للنظام البائد وفلولة.. ( تحيا ارادة الشعب المصري ).
الفلول يمتنعون
(فأنا ابن بطنك وابن بطنك من اراد ومن أقر ومن نهى)                                                                                                                                       
واهم كل من يراهن على تغييب ارادتنا مرة أخرى ... واهم كل من يراهن على العودة بنا الي غياهب الجب وسلب الارادة المصرية حقها في اختيار طريقها ورسم حاضرها وحلمها لمستقبلها ... واهم من لم يدرك أن هذه الارادة لم تخرج من مكمنها الا بعد أن قدمت ثمنا غاليا ,, شهداء في كل مكان من انبل ابنائها ,, عيون شبابها ,, جراح وآلام مصابيها ,, سحل وضرب واعتقال وتخوين شرفائها,, أثمان باهظة وتضحيات غالية !!!

9 يناير 2012

فيديو نادر جداااا عن مصر من مائة عام




الشيخ الغزالي
من مواقف الشيخ الغزالي رحمه الله. يقول:

دخلت مكتبي فتاة لم يعجبني زيها أول ما رأيتها، غير أني لمحت في عينها حزنًا وحيرة يستدعيان الرفق بها، وجلست تبثني شكواها وهمومها متوقعة عندي الخير

واستمعت طويلا، وعرفت أنها فتاة عربية تلقت تعليمها في فرنسا، لا تكاد تعرف عن الإسلام شيئا، فشرعت أشرح حقائق، وأرد شبهات، وأجيب عن أسئلة، وأُفنِّد أكاذيب المبشرين والمستشرقين حتى بلغت مرادي أو كدت !!

ولم يفتني في أثناء الحديث أن أصف الحضارة الحديثة بأنها تعرض المرأة لحما يغري العيون الجائعة، وأنها لا تعرف ما في جو الأسرة من عفاف وجمال وسكينة..

واستأذنت الفتاة طالبة أن آذن لها بالعودة، فأذنت...

ودخل بعدها شاب عليه سمات التدين يقول بشدة: ما جاء بهذه الخبيثة إلى هنا؟ فأجبت: الطبيب يستقبل المرضى قبل الأصحاء، ذلك عمله!! قال طبعا نصحتها بالحجاب! قلت: الأمر أكبر من ذك، هناك المهاد الذي لابد منه، هناك الإيمان بالله واليوم الآخر والسمع والطاعة لما تنزل به الوحي في الكتاب والسنة، والأركان التي لا يوجد الإسلام إلا بها في مجالات العبادات والأخلاق..

فقاطعني قائلا: ذلك كله لا يمنع أمرها بالحجاب.. قلت في هدوء ما يسرني أن تجيء في ملابس راهبة، وفؤادها خال من الله الواحد، وحياتها لا تعرف الركوع والسجود إنني علمتها الأسس التي تجعلها من تلقاء نفسها تؤثر نفسها تؤثر الاحتشام على التبرج.

فحاول مقاطعتي مرة أخرى فقلت له بصرامة: أن لا أحسن جر الإسلام من ذيله كما تفعلون، إنني أشد القواعد وأبدأ البناء بعدئذ وأبلغ ما أريد بالحكمة.

وجاءتني الفتاة بعد أسبوعين في ملابس أفضل، وكنت تغطي رأسها بخمار خفيف، واستأنفت أسئلتها. واستأنفت شروحي، ثم قلت لها: ولماذا لا تذهبين إلى أقرب مسجد بيتكم؟

وشعرت بندم بعد هذا السؤال لأني تذكرت أن المساجد محظورة على النساء! لكن الفتاة قالت: إنها تكره رجال الدين، وما تحب سماعهم! قلت: لماذا؟ قالت: قساة القلوب غلاظ الأكباد!! إنهم يعاملوننا بصلف واحتقار!!

ولا أدري لماذا تذكرت هند امرأة أبي سفيان التي أكلت كبد حمزة رضي الله عنه ونالت من الإسلام ما نالت، إنها كانت لا تعرف رسول الله، فلما عرفته واقتربت منه وآمنت به قالت له هذه الكلمات :

" يا رسول الله: والله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب أن يذلوا من أهل خبائك!! وما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلى أن يعزوا من أهل خبائك."


فيلم أمريكي يثبت أن اسم محمد صلى الله عليه وسلم 
مذكور في التوراه والانجيل


8 يناير 2012

حصاد عام 2011 بالصور.









كل عام وأنتم بخير .. وهذا عام آخر يرحل
عام ٢٠١١ عام تاريخي بجميع المقاييس ، العام الأكثر مفاجأة والإكثر صداماً وحراكاً وتغييراً مقارنة بعقود كثيرة مرت بنا ، عام حمل معه كثير من الفرحة وكثير من القسوة ، كثير من الأمل وكثير من الإحباط ، كثير من النصر وكثير من الإنكسار ، كل يوم حمل معه مفاجأة جديدة بعد سنوات عجاف مرت