| محمد المنسي قنديل |
بعد أن توالت الشواهد على أن مبارك كان محدود الذكاء ومتواضع الإمكانيات، وهى صفات لم تكن تؤهله بالقطع لحكم مصر، أحس الكثيرون أن رئاسة الجمهورية منصب تافه، لا يحتاج صاحبه إلى فكر أو رؤية، بينما سدنة السلطة يقومون بصنع أسطورته الخاصة، ويسبغون عليه الألقاب الفخمة مثل زعيم التحرر العربى، الرئيس المؤمن، بطل الضربة الجوية، وغير ذلك من الألقاب الخادعة، ولأن المنصب قد أصبح رخيصا، فقد أخذ يسعى إليه كائن من كان، بماضيه الملوث، وبوقاحته الشخصية، وبقصوره العقلى فى أغلب الأحيان. ولست أهاجم كل من يسعون خلف هذا المنصب، ولكنى أدين بالتقدير والإعجاب لفئة قليلة منهم، بينما يصيبنى معظمهم بالغثيان، فلا أستطيع أن أنكر الدور الريادى الذى قام به الدكتور محمد البرادعى فى تفجير ثورة 25 يناير، عندما اخترق القبضة الحديدية لأسرة مبارك التى كانوا يحاصرون بها مصر، ويحولونها إلى ملكية شخصية، فقد أعلن أن التوريث ليس مصيرا حتميا، ورفض الاعتراف بالنصوص الدستورية الملفقة أو الانضمام إلى الأحزاب الكرتونية، وبث فى شباب الثورة الوعى بضرورة التغير، وقد تحمل فى سبيل ذلك الحملة الضارية التى شنها عليه عبدة السلطة، وما زالت الحملة متواصلة حتى الآن، فالذين كانوا يعبدون مبارك، تحولوا إلى عبادة المجلس العسكرى دون إحساس بالفرق، ولا أستطيع أن أنكر دور حمدين صباحى، المناضل الناصرى العتيد الذى دافع عن شرف جيلنا من الطلبة، عندما وقف منتقدا السادات قبل توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وتسبب هذا الموقف فى إغلاق أبواب العمل أمامه، كان أصغر معتقل سياسى فى أحداث يناير 79، وانتخب رغما عن أنف سلطة مبارك نائبا فى مجلس الشعب، حتى إن الشرطة حاصرت اللجان الانتخابية لتمنع الأهالى من الوصول إليها، ولكن حصانته كنائب لم تحمه من الاعتقال والاعتداء عليه بدنيا، حين ارتفع صوته معارضا السلطة العاتية، وحمدين زعيم شعبى من نوع خاص، خرج من برارى كفر الشيخ وبلطيم دون أن ينفصل عن جذوره، وانتخابه لرئاسة الجمهورية سيكون نتيجة طبيعية لثورة 25 يناير التى كان واحدا من صناعها، ولا أنكر أيضا الدور الذى قام به أيمن نور عندما وقف فى مواجهة نظام التزييف المطلق الذى أدار به مبارك انتخاباته وأثبت أنه خصم لا يستهان به، ولم يطق النظام تحديه فوضعه داخل السجن، وخلال سنوات اعتقاله العصيبة جسدت زوجته السيدة جميلة إسماعيل ملحمة نادرة فى الوفاء، فقد ظلت تسعى بكبريائها الجميل من أجل خلاصه فى دأب لا يكل، كأنها إيزيس، وقد خرجت من روح الأسطورة الفرعونية، زوجة مصرية شجاعة تحاول أن تسترد زوجها من قبضة إله الشر «ست»، الذى كان مبارك يرتدى قناعه، هؤلاء الرجال الثلاثة هم نماذج مشرقة لأجيال قاومت عصرا كاملا من الامتهان لكرامة الوطن، وأراهم جديرين بهذا المنصب، لأنهم دفعوا ثمنه من أمنهم وحياتهم، كما أن دم الشهداء وضع على أرواحهم دروعا من الصلابة السياسية، يجعلها غير مهيأة للتنازل أو المساومة، ومن المؤسف أن هذا ما يقلل من فرصهم لدى المجلس العسكرى الذى يمسك بزمام الأمور.
وفى المقابل فإن أسباب الغثيان كثيرة، فماذا يمكن أن يقال عن شخصية شديدة التلون مثل عمرو موسى، ذلك الكهل الذى أفنى عمره فى ظل مبارك، وزيرا وأمينا للجامعة العربية دون أن يحقق إنجازا واحدا غير فوزه بأغنية تافهة من شعبان عبد الرحيم، لقد كان واحدا من المنسقين الأوائل لصفقة بيع الغاز المصرى لإسرائيل، بدعوى ساذجة، أن هذا سيصبح عنصرا مؤثرا عليها، والنتيجة أن إسرائيل ظفرت بكل ما تريد دون أن تقدم تنازلا واحدا، وكان بالطبع مؤيدا للتوريث، وأعلن عن دعمه الصريح لجمال مبارك، ولم يهبط للميدان إلا بعد أن تأكد من خلع ولى نعمته، وترتفع درجة الغثيان مع اللواء أحمد شفيق، وبالمناسبة فهناك أكثر من أحمد شفيق فى التاريخ المصرى، هناك أحمد شفيق بن حسن موسى المؤرخ الذى كتب حوليات مصر السياسية فى تسعة أجزاء، وأحمد شفيق كامل الشاعر الذى كتب أكثر من مئة أغنية أشهرها «انت عمرى» لأم كلثوم، والدكتور أحمد شفيق الجراح الشهير الذى تم ترشيحه لجائزة نوبل فى الثمانينيات، ولم يفز بها، ولكنه فاز بلقب أفضل باحث على مستوى العالم، ولكن أسوأهم جميعا هو اللواء أحمد شفيق، وزير عتيد آخر من أصدقاء مبارك الذين حاولوا إنقاذ سفينته من الغرق، ووقعت فى أيام وزارته أسوأ المذابح الذى تعرضت لها الثورة فى «موقعة الجمل»، ورغم الاعتذار الذى قدمه فلا يعفيه هذا من المسؤولية، ولست أدرى لماذا بقى خارج القضبان إلى هذه اللحظة؟ ولماذا بعد أن أصر الثوار على إبعاده من منصبه أن يتم الدفع به من جديد؟ ولماذا يقوم بالتجوال فى الأحياء الشعبية رغم أنه يتم طرده من كل مكان يحل به؟ ربما لأن العسكر لا يفرطون فى أصدقائهم بسهولة، فظهوره على هذا النحو يعد انقلابا خطيرا على الثورة، وكان وجوده ليس كافيا، ولكن ظهر بجانبه اثنان من المرشحين العسكريين الأقل أهمية، أحدهما من داخل جهاز المخابرات، وثلاثتهم يهددونا بالعودة إلى كابوس العسكر الذى يمسك بخناقنا منذ ستة عقود.
ويتحول الأمر إلى نوع من الهزل، عندما يعلن أشخاص مثل الطاووس مرتضى منصور عن ترشيح نفسه، فهو لا يجاهر فقط بعدائه للثورة، ولكنه متهم بالتدبير لقتل المتظاهرين فى «موقعة الجمل»، ويتشابه معه مرشح آخر هو توفيق عكاشة، الذى لم أكن أعتقد أنه شخصية حقيقية، ولكنى أظنه مجرد ممثل هزلى يظهر فقط فى برنامج باسم يوسف، ولا أستطيع التحدث بالتفصيل عن مرشحى الكتلة الدينية فهم أكثر من اللازم، وكلهم متشابهون، ويرددون نفس الكلمات، ومع احترامى لهم جميعا فهم يقفون فى المكان الخاطئ، ومجرد وجودهم فى سباق الرئاسة يثير الفزع، والتصريحات التى تصدر عنهم بكثرة تهددنا داخليا وخارجيا، فهى فى الداخل تشيع مناخا من المنع والتشدد يمكن أن يشل الاقتصاد ويمنع تدفق السياحة ويعيق الانفتاح الفكرى على العالم، وخارجيا يهدد وجودهم فى سدة الحكم بعزل الوطن بأكمله عن المجتمع الدولى الذى ينبذ التعصب، ولا يميل كثيرا للتعامل مع الدول ذات الصبغة العسكرية أو الدينية.
ولكنهم بالتأكيد أكثر ذكاء من مبارك، ولا يسعون خلف معارك خاسرة، فهم جميعا على يقين أن مرشح الرئاسة القادم لن يأتى عن طريق صندوق الانتخابات، فمثلما جاء إلى الحكم برلمان لا يعبر عن الثورة، سيأتى رئيس لا يعبر عنها ولا على الشعب الذى قام بها، لذلك يبالغون فى عرض أنفسهم كشركاء طيعين فى صفقة يعقدونها مع العسكر، فالمجلس العسكرى الذى لم تفتح دفاتره منذ عام 52 ليس مستعدا لأن يأتى رئيسا مدعوما بأصوات الشعب، لكى يقلب فى هذه الدفاتر، فهو يريد رئيسا شبه شرعى، مكسور العين، مدين لهم بنجاحه فى ارتقاء هذا المنصب، وعلى استعداد لتنفيذ كل ما يملى عليه من أوامر. إن ملامح الصفقة التى عقدها العسكر مع القوى الدينية التى استولت على مجلس الشعب قد بدأت فى الظهور، وبدأ الحديث عن الخروج الآمن للعسكر، ودفع الدية فى أرواح ضحاياهم من الشهداء، وإعطائهم موقعا مميزا، وعدم المساس بالمكانة التى يحتلونها فى الاقتصاد المصرى، يتم السعى الآن لصفقة مماثلة مع الرئيس القادم، هذا الصنف من المرشحين إذن، سواء كانوا عسكريين أو دينيين أو أفاقين، ليسوا سذجا كما يبدو، فهم يسعون لنيل الرضا السامى للعسكر، لا يهمهم فى قليل أو كثير أحلام الناس البسطاء الذين يتطلعون فيها إلى عصر جديد يصعد فيه رئيس عادل، رئيس يأتى وفق صندوق الانتخابات وليس عن طريق صفقة، أيا كان نوعها، عن الطريقة الوحيدة لإفساد تلك الصفقة هى أن لا تتم انتخابات الرئاسة فى ظل حكم العسكر، وإذا تركناهم يعبثون فى مصائرنا كما فعلوا فى انتخابات مجلس الشعب، فلن نجنى شيئا من ثورتنا، اللهم قد بلغت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق