30 يناير 2012

بل الرئيس أولا ...


محمد علي يوسف
محمد علي يوسف

مرة أخرى!! الدستور أولا أم الانتخابات أولا؟ السؤال الذى تردد منذ عدة أشهر مع اختلاف نوعية الانتخابات.. فالنزاع الأول كان حول 
الانتخابات البرلمانية أم وضع الدستور؟ أما اليوم فالخلاف حول انتخابات الرئاسة أم كتابة الدستور؟ 
ولا شك أن النهاية الفعلية للفترة الانتقالية والحكم العسكري مرتبطة بهذه الانتخابات -انتخابات رئيس الجمهورية- ورغم أن الطريق كان واضحا في استفتاء 19 مارس كما سيأتي إلا أن الأمر يبدو وأنه قد اختلط على البعض، فصار يشكك في المسار الذى حدده الاستفتاء على التعديلات الدستورية، والبعض الآخر يعزو اللبس إلى لجنة التعديلات نفسها والتي -بحسب قولهم- لم تكن على بينة من أمرها.
يقطع الطريق على هؤلاء وأولئك أن ننعش ذاكرتهم ببعض الاقتباسات المنشطة لتلك الذاكرة، نبتدرها بنص مواد التعديلات الدستورية المستفتى عليها فى 19 مارس من العام الماضي.
من نص المادة 189: أحكام عامة وانتقالية والتي تضبط إدارة المرحلة الانتقالية جاء فيها: "لكل من رئيس الجمهورية وبعد موافقة مجلس الوزراء ونصف أعضاء مجلسي الشعب والشورى طلب إصدار دستور جديد وتتولى جمعية تأسيسية من مائة عضو ينتخبهم أغلبية أعضاء المجلسين غير المعينين في اجتماع مشترك إعداد مشروع الدستور في موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها ويعرض رئيس الجمهورية المشروع خلال خمس عشرة يوما من إعداده على الشعب..".
أظن أن النص لا يحتاج إلى كثير اجتهاد في تفسيره وخصوصا أن كلمة "رئيس الجمهورية" الذى يدعو الشعب للاستفتاء على الدستور ظاهرة وواضحة وبينة وجلية و.. لا أجد في قاموسي للأسف الشديد ألفاظا أخرى تفيد الوضوح لأصف بها هذه الكلمة.
يعنى ببساطة هناك رئيس وهناك استفتاء على دستور لم يقر بعد إذن بديهيا من يسبق الآخر؟!
أظن الإجابة سهلة، أما إذا تعسر على البعض فهم النص السابق فهل يجد مشقة في استيعاب النصوص التالية:
مادة 75: وتشمل شروط الترشح لرئاسة الجمهورية.
مادة 76: وتشمل أسلوب الترشح لرئاسة الجمهورية.
مادة 77: وتشمل فترة ولاية الرئيس والتجديد.
مادة 139: وتشمل تعيين نائب لرئيس الجمهورية.
هل يستطيع من ينكر انتخاب الرئيس قبل وضع الدستور الجديد، أن يفسر لنا وجود تلك المواد التي تحدد شروط ترشح الرئيس، وتنظم اجراءات انتخابه، وفترة ولايته بل وتعيين نائبه في هذه التعديلات الدستورية؟
والإجابة لدى المستشار البشرى إذ يقول: "نحن رجال القانون نقول دائما إن المشرع يقول كل ما يعنيه ويعنى كل ما يقوله". 
وهل يجوز لأحدهم أن يدعى أن كل تلك المواد السابق الإشارة إليها قد التبس فهمها وغمضت عمن قاموا بصياغتها فاختلفوا من بعد ذلك في تفسيرها؟
و هل يتصور أن يدعى الشعب للاستفتاء عليها من باب التسلية أو تمضية الوقت مثلا؟ إذا وُجد هذا الشخص فربما أقنعه مقال السيد المستشار رئيس لجنة التعديلات للشروق بعنوان: "نثق في العسكري ، والذى اعقبه بتصريح للشروق أيضًا بعنوان "البشرى يخرج عن صمته: (الرئاسة) قبل الدستور".  
وهذا عين ما صرح به عضو لجنة التعديلات ونائب "الحرية والعدالة" الأستاذ صبحى صالح المحامي منذ أشهر لجريدة الشروق.  
والأمر كذلك كان واضًحا جليًا لدى القيادة العسكرية ممثلة في المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى استضافت السيدة منى الشاذلي ثلاثة من أعضائه في إحدى حلقات برنامجها العاشرة مساءً، وتم من خلاله التأكيد على أن الرئيس قبل الدستور على لسان اللواء ممدوح شاهين تصريحا لا تلميحا – 
مما سبق يتبين لنا أن "الرئيس ثم الدستور" هو المسار الذى حدده الاستفتاء الدستوري الذى يشكل علامة فارقة في تاريخ الممارسة الانتخابية الحرة ببلادنا، وبما لا يدع لنا مجالاً الآن لمناقشة مدى سلامة هذا المسار.
فمسار المراجعة سوف يعود بنا إلى ما قبل الاستفتاء ليخوض بنا في نفق مظلم يعلم الله وحده متى وكيف يكون الخروج منه، ولا زلنا نعانى من آثار الاستقطاب الذى أصابنا بعد معارك نعم ولا والدستور أولا أم انتخابات البرلمان أولا إلى آخر تلك الصراعات التي اكتوينا بنارها طويلا ويبدو أننا في طريقنا لأحدها اليوم. 
ومع ذلك دعونا نناقش مخاوف البعض من انتخابات رئاسية سابقة على الدستور، هذا البعض يراوده هاجس أن يقوم الرئيس المنتخب بحل مجلسي الشعب والشورى وهى مما كان لرئيس الجمهورية من صلاحيات في دستور 71.
أو أن يستغل بعض الصلاحيات الأخرى الموجودة في هذا الدستور الذى أعلنت أكثر من مرة شهادة وفاته، وهذا الظن ينفيه المستشار البشرى بوضوح وحزم في مقاله  مبينا أن صلاحيات الرئيس تقتصر على ما جاء في الإعلان الدستوري، إذ يقول ما نصه: "إن سلطات رئيس الجمهورية محددة في البنود من 3 إلى 10 في المادة 56 وأنها تنتقل إليه فورا من المجلس العسكري فور انتخابه، وللمرء أن يتساءل عن أي اختصاصات ترد في الدستور أو القانون تكون أوضح من ذلك ويضاف إليها ما أوردته المادة 35 من تعيين رئيس الجمهورية لثلث أعضاء مجلس الشورى".
وهذا ما سبق وأن أكده الأستاذ صبحى صالح عضو لجنة التعديلات بحسب ما صرح به للشروق  قائلا: "لا وجود لصلاحيات رئيس الجمهورية لأنها مقيدة في الدستور المعطل".
أما ما بقى من صلاحيات هي ذاتها للمجلس العسكري الآن مع الفارق الشديد بينهما، إذ إن الرئيس "المنتخب" إضافة إلى كونه منتخبا ارتضاه الشعب ووثق فيه فإنه –بافتراض سوء الظن- سوف يحتاج لكثير وقت حتى يحكم سيطرته على مؤسسات الدولة ومفاصلها ليتمكن من استعمالها في الطغيان الذى يخشونه، هذه المؤسسات والمفاصل التي يحكم المجلس العسكري قبضته عليها بالفعل وهى لا شك لدى أي عاقل تمثل عوامل ضغط على صياغة الدستور.. ولمن لا يرى ذلك نسأله تفسيرًا لإصرار المجلس العسكري على البقاء في السلطة حتى كتابة الدستور، مخالفًا بذلك المسار الذى حدده الاستفتاء (والذى حسمنا إثباته).
إن المغامرة الحقيقية ليست في رئيس أولا وإنما في الانقلاب على ذلك، وهو ما يتجاوز حدود المغامرة بكثير وهو للأسف يذكرني بنفس النبرة التي كان يتحدث بها دعاة رفض الاستفتاء منذ أشهر بحجة أنه يصنع ديكتاتورا جديدا وكان الإسلاميون في ذاك الوقت يقفون في وجوههم بكل وضوح قائلين هذه إرادة الشعب وهو الذى ارتضى هذا المسار وقال نعم لتلك التعديلات التي تشمل تلك الصلاحيات لرئيس الجمهورية فماذا حدث؟ ولماذا تغيرت تلك النبرة اليوم وصرنا نحن من يخشى تلك الصلاحيات؟
حقيقة لست أدري. 
كما أن الجدول الزمنى الذى أعلنه المجلس الاستشاري ينص على تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور خلال 15 يومًا، ثم الانتهاء من وضع الدستور خلال 30 يومًا، ويطرح للاستفتاء العام في 20/5، بينما نجد أن هذا الجدول قد فتح باب الترشح للرئاسة في 15/4 .. فهل من إجابة راشدة لسؤال يطرح نفسه: على أي أساس يتقدم المرشح للرئاسة إذا كان لا يعلم حتى هذه اللحظة ما هو نظام الدولة، ولا ماهية اختصاصاته وصلاحياته؟
الإجابة الوحيدة المنطقية أنه سيتقدم على أساس وشروط الإعلان الدستوري.
لماذا إذن قبل الداعون الجدد للدستور أولا أن يتقدم المرشحون لخوض الانتخابات الرئاسية في منتصف إبريل رغم أنهم بذلك يتقدمون على أساس الشروط المعلنة في الإعلان الدستوري وليس على أساس شروط الدستور الجديد الذى لم يكتب بعد؟
وإن كانوا قبلوا بدخوله على شروط الإعلان الدستوري فلم يرفضون دخوله بصلاحيات نفس الإعلان؟
أليس هذا أمرا مثيرا للدهشة؟
وهل يعقل أن يتقدم مرشح للرئاسة وهو لا يعلم هل الدولة ستكون في الدستور الجديد برلمانية –لا قيمة لمنصب الرئيس فيها– أم أنها رئاسية أم مختلطة؟
الجواب ببساطة أنهم يعلمون أنهم سيتقدمون على أساس الإعلان الدستوري الذى من الممكن ان يسرى عليهم لفترة يحددها الدستور الجديد، وقد تمتد إلى نهاية الفترة الرئاسية الأولى ثم يطبق الدستور الجديد على الفترات التي تلى ذلك. 
ولماذا يفترض الداعون للدستور قبل الرئيس والذين ينوون وضع الدستور في ثلاثين يومًا أنه سيكون محل موافقة نهائية من الشعب، ويستبعد تماما احتمال الرفض؟
أوليس من حقي أن أقول لا في الاستفتاء على الدستور الجديد؟
هل يضع لنا المتخوفون من انتخاب الرئيس أولاً سيناريو رفض الدستور إذا ما طرح للاستفتاء العام؟ هل نؤجل انتخابات الرئاسة؟ أم نستمر في ظل الإعلان الدستوري الحالي؟ أم أن الرفض غير وارد؟ أم غير مقبول؟
إن الإصرار على ربط انتخابات الرئاسة بالموافقة على الدستور الجديد سينزع عن الشعب حقه في رفض الدستور الجديد إن وجد فيه ما يعيبه ويكره الجميع على قول نعم للدستور القادم لأن الشعب ببساطة قد مل وصار يريد أن تنتهى تلك الفترة الانتقالية بأي طريقة ولن يحتمل أي نوع آخر من التطويل.
ولماذا العجلة أصلا والرغبة في تحطيم الرقم القياسي العالمي في مدة كتابة الدساتير؟
إن الدساتير المحترمة لا توضع في أيام ولا شهور، دستور 1923 على سبيل المثال وضع في أربعة أعوام تقريبا، ودستور 71 في عام  نصف، ودستور الأزهر الشريف الذى وضع في عهد الشيخ عبد الحليم محمود وظل بعدها حبيس الأدراج وضع فيما يقارب العامين، ويكفي أن نعرف أن تعديلات المواد التسعة استغرقت من لجنة التعديلات أكثر من عشرة أيام (من 15/2/2011 حتى 26/2/2011 م) فما بالكم بمئات المواد؟
نحتاج إلى دستور يكتب بهدوء وليس تحت ضغط ويناقش مجتمعيا ويعرض على الاستفتاء بحيادية تامة دون ارتباط بموعد لتسليم السلطة ليس موجودا أصلا بل يتكلفه البعض، وحتى وإن رأى واضعو الدستور أن يجعلوا الدولة برلمانية أو مختلطة وقرروا تقليص سلطات الرئيس لأقصى درجة –ورغم أنني ولأسباب كثيرة أرى أنه نظام ليس مناسبا لمصر وسأعرض ذلك في مقال منفصل إن شاء الله– فإنهم يستطيعون ذلك في وجود رئيس بصلحيات الإعلان الدستوري.
وذلك بشيء يعرفه أي طالب حقوق يدعى المواد الانتقالية أو الاستثنائية المؤقتة بمعنى أنه يجعل فترة حكم الرئيس بتلك الصلاحيات التي جاء بها وصدق عليها الشعب في استفتاء مارس 2011 فترة محددة بمدة زمنية معينة وحين انتهائها يتم العمل بالدستور الجديد.
والطريف أن واضعي الدستور سيضطرون لا محالة لوضع مثل تلك المواد بخصوص البرلمان الذى قد يفقد شرعيته إذا تم تغيير بعض المواد الخاصة به في الدستور كما هو متوقع مثلا حول نسبة العمال والفلاحين وإلغاء مجلس الشورى وصلاحيات مجلس الشعب، فلماذا يرتضون تلك المواد الاستثنائية للمجلس ولا يرتضونها للرئيس؟
أخيرا أؤكد أنني أكتب هذا الكلام مبكرا قبل أن يبدأ ما أتوقعه من استقطاب جديد حول تلك القضية، أكتبه أنا الكاتب الإسلامي ونقلت فيه رأى المستشار البشرى "الإسلامي" وكلام الأستاذ صبحى صالح "الإسلامي" وإن شئت أكثرت من الاستشهاد بآخرين من النخبة الإسلامية بإخوانها وسلفييها ووسطييها –نسبة لحزب الوسط– والتي تؤكد ما ذهبت إليه، ولأبين أن القضية هذه المرة ليست ما بين علمانيين وإسلاميين، إنما هي قضية مبدأ واحترام لما استفتى عليه الشعب، ولا داعى لتحويلها إلى قضية أيديولوجية فقد بذلت جهدي لتظل قضية فكرية وقانونية، وأقبل تماما أن يختلف معي إخواني فيها لكن ما لا أقبله أن يتحول هذا الخلاف في الرأي السياسي إلى تجريح أو اتهام للنوايا والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل.

سلفي وبردعاوي

د. محمد يسري سلامة
د/ محمد يسري سلامة
اقترب مني شاب سلفي مهذَّب أثناء مشاركتي المستمرة منذ مئة يومٍ أو يزيد في اعتصام مكتبة الإسكندرية، فحيَّاني بتحية الإسلام، وأخبرني مشكورًا كم أنه معجبٌ بكتبي ومقالاتي وكثيرٍ من مواقفي، وأنه يريد أن يدرس معي علومَ الحديث الشريف وأن نقرأ معًا مسند الإمام أحمد قطعةً قطعة، وهو أمرٌ أسعد به كثيرًا، لكنه استأذنني بعد ذلك في أن أسامحه إذا كان ما يريد أن يقوله سيغضبني، وهذا هو أدب السلفي الحق كما أعرفه، فأخبرته أني أسامحه مقدمًا وأن بإمكانه أن يقول ما يشاء من دون حرج، فذكر لي ما يتردد من أني (سلفي برادعاوي) أو سلفي وبرادعاوي، وأنه لا يحب لي هذا الأمر ويود لو أني راجعت نفسي في هذا الموضوع لأنه موضع تشكيكٍ وانتقادٍ واتهامٍ دائم، بحيث يَعجز مَن يحبني ويُحسن الظنَّ بي مثلُه عن الدفاع عني أحيانًا، لأن الرجل علماني صرف، لا ينتمي إلى (الإسلاميين) بصلة، ولا ينادي بتطبيق الشريعة. ثم طلب مني مرةً ثانيةً في أدبٍ جمٍّ أن أسامحه إن كان قد أزعجني ما قال. والحق أنه لم يزعجني، بل أضحكتني كثيرًا هذه التسمية (سلفي برادعاوي)، وإن كنت لا أرضى أن تضاف السلفية إلى رجلٍ كائنًا من كان، وما كان مني سوى أن قلت له: أخي الحبيب، أرى مِن سَمتِك أنك صاحب خلقٍ حَسَن، وديننا يعلمنا الأخلاقَ قبل كلِّ شيء، ولذا أريد منك أن تعذرني إن كنت تخالفني في هذا الموقف، لأني ملزَمٌ أخلاقيًّا بتكملة ما بدأته مع الدكتور البرادعي منذ عودته إلى مصر، وبعد المطالب السبعة للتغيير التي دعا إليها ووقَّعتُ أنا عليها، والتي تحقَّقت بحذافيرها بعد الثورة بالمناسبة. كما أني لست معنيًّا بأن يصبح البرادعي رئيسًا للبلاد، كما أن الرجل نفسه ليس معنيًّا بذلك، وكل ما يعنيني في ذلك هو مصلحة مصر كما أفهمها وأراها، التي هي في الوقت نفسه مصلحة الدين، لأن مصر ركيزة من ركائز الإسلام ودرعه وسيفه. وأنا أعلم بالطبع أن من يصرِّح بموقفه هذا يتعرض لحملةٍ شعواء من التشويه والتشكيك والازدراء، وربما ما هو أكثر من ذلك، لأن التهم التي يشيعها جهاز أمن الدولة عن الرجل وحوله منذ عهد النظام شبه البائد وإلى يومنا هذا قد تغلغلت في نفوس كثيرين بحيث صارت أشبه بالمسلَّمات أو البديهيات، مع أن هناك قاعدةً تقضي بأن ما أُسس على باطل فهو باطل، ولذا كان مجرد صدور هذه الأشياء من أمثال هؤلاء هو علامة في نفسه على كذبها وبطلانها. ثم إن الفرق بين المتعلم والجاهل هو أن الأوَّل يسعى إلى التحقق من صدقِ ما يُلقى على سمعه أو كذبِه، وهذا ما سوف ندرسه في علم الحديث، وقد تحقَّقتُ من كذب هذه الأشياء بحيث لم يعد لها قيمة عندي وإن تردَّدَت بكثرة. أما علمانيته كما ذَكَرت فأرى أننا قد توسَّعنا كثيرًا في استعمال هذه الكلمة لوصف كلِّ من ليس (إسلاميًّا) أي لا ينتمي لأيٍّ من الكتل الإسلامية المعروفة، وإن كان من أشدِّ الناس دينًا، وأنا لا أقول إن الرجل كذلك، لكني لا أظن أن شخصيته تختلف كثيرًا عن شخصية والدي رحمه الله، الذي كان أستاذًا في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، والذي لم يكن سلفيًّا ولا إخوانيًّا ولا شيئًا من ذلك، ولم يكن بشديد التدين (الظاهر)، ولم يكن علمانيًّا بالتأكيد، لكني وددتُ أن أكون في مثل طيبته وبرِّه بأهله وبالفقراء ونزاهته وحبِّه للعلم واجتهاده في خدمة تلامذته وأسرته رحمه الله. هذا مع تحفظي على مصطلح الإسلاميين الذي تستعمله، لأنه لا أصل له في ديننا ولا في ثقافتنا، وعندنا كما تعلم أسماء ومصطلحات شرعية كثيرة، لكن ليس منها (إسلامي) و(غير إسلامي). وإذا كان هذا التقسيم بناءً على الموقف من تطبيق الشريعة فربما كان مفهومك عن هذا الأمر يختلف عن مفهومي، فالشريعة عندي مفهوم شامل لكلِّ ما هو خير وحق وعدل، وإذا كنا نريد الشريعة بمفهومها الشامل فلابد من طريقٍ نسلكه لتحقيق الاستقلال في الإرادة والقرار، والقدرة على حرية الاختيار، وهذا لا يكون إلا بالتخلص من الجهل والفقر والمرض والتبعية للخارج، وهذا لا يسمى تدرجًا في تطبيق الشريعة، بل هو الشريعة نفسها. ثم إنني لست ممن يتحرج من المناداة بتطبيق الشرع الشريف، وأننا بحاجةٍ إليه، وكم أفتقد في هذه الأيام بالذات حدًّا مثل حد الحرابة الذي كنت لأحبُّ أن أراه يقام على مبارك والعادلي وأمثالهما بكلِّ تأكيد. كما أننا بحاجةٍ أيضًا إلى من لديه الاستعداد التام والكفاءة العالية للقيام بإصلاح جذري في مؤسسات الدولة وهياكلها الإدارية، التي تغلغل فيها الفساد لدرجةٍ لم يعد يصلح معها التطهير بإزالة (الفيروسات) الكثيرة العالقة بها، بل لابد من إحلال (نظام تشغيل) جديد لها وإعادة هيكلتها بصورةٍ كاملة، وإلى من لديه المقدرة على معالجة ملفاتٍ شائكة كالقضاء والداخلية وأوضاع المؤسسة العسكرية وموارد الدولة من البترول والغاز وقناة السويس وغير ذلك، ومَن لديه الرغبة في إحداث تغيير حقيقي وشامل في كل تفصيلةٍ من تفصيلات الدولة والمجتمع، بحيث يمكن للمصريين أن يتلقوا عناية طبية فائقة وتعليمًا ممتازًا وعيشةً كريمة كما يستحقون، بحيث لا يُجبرون على الهجرة للخارج أو الانسحاق والحياة المذلَّة والموت البطيء في الداخل.
(لكنك بهذا تلتقي مع الليبراليين، ثم إنه انسحب من سباق الرئاسة حتى تخلَّى عنه معظمهم، فلماذا تذكره الآن؟) كذا قال، فقلت له: هناك نوعان من الليبراليين كما عرفتهم، نوع ثوري صادق مخلص مُنصف بل متدينٌ أحيانًا لا أجد أية صعوبة في التواصل معه، ونوع يحسب كذبًا أنه النخبة ويترفع عن الثورة والثوار وعن التواصل مع القوى الأخرى لأنه غير منصفٍ وغير جاد، بل هو في الحقيقة ينتمي إلى فكر النظام السابق وأساليبه. وهذا النوع الثاني ليس مع البرادعي ولا غيره، وإنما هو فقط مع من يحقق له مصالحه الشخصية والمادية، ومع من يناوئ التيارات الإسلامية ويقمعها أو يحجِّمها، والبرادعي لن يفعل ذلك، وأنا لا أريد منه في هذا الباب أكثر من هذا، لأني لا أرضى بالظلم والقمع لأي أحدٍ أولاً، ولأن ما يهمني هو حرية الدعوة ثانيًا، لأن الشريعة لا تتحقق في البرلمانات، وإنما تتحقق في النفوس قبل كلِّ شيء. وأخيرًا قلت لصاحبي: وأما انسحابه من سباق الرئاسة أو عدم انسحابه فقد قلت لك إن ديننا يعلِّمنا الأخلاق، ومِنَ الخزي أن يتغير موقفي من الرجل أو كلامي عنه لمجرد خروجه من المشهد، وإن كنت لا أظن أنه سيخرج، لأني لم أكن أبتغي شيئًَا أصلاً من موقفي هذا سوى ما أرى أنَّ فيه رضا الله عزَّ وجلّ، ولم أكن قَطُّ جزءًا من حملة دعمه ولا شيئًا من هذا القبيل (وماذا سينال مَن أنصَفَ البرادعيَّ من الدنيا في كلِّ الأحوال؟)، والصديق وقت الضيق كما يقولون. وعلى كلِّ حال أشكر أخي الكريم على أدبه الوافر وكلماته الرقيقة وحرصه عليّ، وأنا واثقٌ من أننا سنقترب أكثر وأكثر في مواقفنا بعدما نتم قراءة مسند الإمام أحمد بإذن الله تعالى.

هناك تعليق واحد:

  1. يا استاذلي الفاضل اري ان الاستفتاء فى اصل الكلام من الاول والتى بنيت عليه كلامك اقول اري الاستفتاء باطل بسب شئ واد فقد (شرعية الثوره)فكيف نحي من مات ونبعث فيه الروحده اولآ.ثانيآ كيف يوضع دستور كما قلت هكذا مسبقآ فى وجود مجلس عسكري والاصح يوضع بعد وجود رئيس ولكن اري ان الاصح ان يرحل المجلس العسكري قبل الرئيس وتسلم السلطه الى مدني وهذا جدال اخر فكيف يأتي دستور بعد وجود رئيس دستوريا يا استاذي الفاضل الدستور اولا....
    مشكوررررررررررر ابو يوسف

    ردحذف