سميرة إبراهيم فتاة صعيدية، سوهاجية، محجبة، اعتُقل أبوها سابقا ضمن صفوف المعتقلين من الجماعة الإسلامية. سميرة تعمل مديرة تسويق فى إحدى الشركات، مما يتيح لها التردد على القاهرة. شاركت فى ثورة ٢٥ يناير من يومها الأول، واعتُقلت فى يومها الثانى. واستمرت فى نشاطها السياسى بعد الثورة فشاركت فى اعتصام ٩ مارس. الاعتصام الذى فضّته الشرطة العسكرية وألقت القبض على المشاركين فيه وعذبتهم فى المتحف المصرى قبل أن تنقلهم إلى السجن الحربى، حيث وصل التعذيب إلى قمته -والأصح إلى قاعه- بإهانة الفتيات منهم بإجراء ما بات يعرف بـ«كشف العذرية» عليهن. سميرة هى الفتاة الوحيدة التى أصرت على تقديم بلاغ ضد معذبيها وملاحقتهم قضائيا. شجاعة تتسق تماما مع الإقدام الذى أظهرته سابقا (مع كامل التفهم لظروف من لم يتقدمن ببلاغات).
فى اليوم الثانى للانتخابات، ووسط الانشغال بها، كانت جلسة قضيتها «القانونية»، لكنها أُجلت إلى السابع والعشرين من ديسمبر. أما اليوم وأمس وغدا وأبدا، فينبغى ويجب ويلزم أن لا تؤجل القضية «الأخلاقية». لقد اعترف مسؤولون عسكريون بما جرى، وهذا يضيف إلى رواية سميرة إبراهيم بتفاصيلها المرعبة مصداقية (موجودة على «يوتيوب»)، لكنهم لم يخبرونا ماذا فعلوا مع الضابط الذى لم يكتفِ بإجراء «الكشف»، وهو فى حد ذاته جريمة هتك عرض، بل إنه كان يعذّب بالكهرباء قبل إجرائه، ناهيك بوسائل التعذيب الأخرى. لم يخبرونا ماذا فعلوا مع السيدة التى كانت موجودة فى غرفة «الكشف» والتى أمرت الفتيات بخلع ملابسهن أمام الجنود والضباط، ورفضت طلب سميرة البسيط بإغلاق النوافذ والباب أو تقليل عدد الموجودين فى غرفة الكشف/التعذيب. لم يخبرونا ماذا فعلوا مع هؤلاء الجنود والضباط الأشاوس الذين كانوا يتفرجون على المشهد ويتضاحكون. بل لم يخبرونا ماذا قدموا من دعم نفسى وإنسانى لسميرة ورفيقاتها، وماذا فعلوا لملاحقة من يهددها على التليفون بـ«مصير خالد سعيد».
دعك الآن من الأبعاد السياسية بل والقانونية، الأخطر فى الموضوع أنه يثير -بلا مواربة- أسئلة عن العقيدة «الأخلاقية» لجيشنا الوطنى. ما من حضارة فى العالم إلا وتحرص على الفخر بأخلاق جيشها، فى معاملته للأعداء، ناهيك بأبناء الوطن، واستعداده للتضحية من أجل أهلهم. أما أن يكون أفراد من هذا الجيش منتهكى عرض الأهل، ومعذبين، فهذا ما لا ينبغى السكوت عنه أو تجاهله، لأنه يذكّرنا بذكريات بشعة سبقت نكستنا فى ٦٧. الجندى أو الضابط الذى لا يُكبِر كرامة المواطنة والمواطن المصريين لا يستحق شرف الانتساب إلى الجيش المدافع عنهما. والجندى أو الضابط الذى لا يرى فى انتهاك عرض شخص، عدوا أو صديقا، انتقاصا للكرامة الإنسانية، لن يفهم أبدا معنى بذل الغالى والرخيص من أجل الدفاع عن هذه الكرامة. الجندى أو الضابط الذى يملك من الدناءة ما يجعله يسخر من انتهاك عرض فتاة عزلاء بدلا من الدفاع عنها لا يؤتمن أبدا على حمل أمانة الدفاع عن الوطن. تلك أمور تحتاج فى حدها الأدنى إلى بعض نخوة وشهامة لا يتوفران لدى من لا يتعرف على رجولته إلا من نظره إلى بين فخذيه. ومثل هذا الجندى يحتاج إلى إعادة تأهيل وإعادة بناء وتربية، بعيدا عن الجيش. والأمر نفسه ينطبق على ممثلى السلطة القضائية، وعلى المسؤولين الذين أصدروا الأوامر أو الذين عرفوا بما جرى ولم يحاسبوا عليه.
سميرة، لن أقول لك إنك تساوين ألفا من معذبيك. فإن ألفا منهم لن يساووا أكثر من صفر. بل أقول لك إنه لو كان الأمر بيدى لسرّحتهم جميعا ولوقّفتك على الحدود ونمت مطمئنا. فمثلك يؤتمن على الأرض والعرض. لقد ارتبط هذان فى اللغة العربية ارتباطا وثيقا، فتَطابَق الحرفان الثانى والثالث فى الكلمتين، بينما جاء الحرف الأول فى كل منهما من مخرج صوتى متلاصق مع مخرج الآخر، وما ذاك إلا لأن خسارة الأرض كانت تعنى لديهم السبى وانتهاك العرض. الآن صار العرض يُنتهك على يد من نظن أنه سيحمى الأرض. يا للمفارقة!
إننى أبحث صادقا عن نفى، عن تكذيب، عن إجراء يعيد إلىّ الثقة بأن جيشى الوطنى الذى أحبه وأحترمه جيش ذو أخلاق، مع العدو قبل الصديق. فرواية سميرة أدمتنى وأنا أتخيل عزلتها واحتياجها إلى نصير، وأنا أتخيل إحساسها بالعجز كلما ظنّت أن شخصا سينصفها فوجدته أسوأ ممن سبقه. «اللهم إليك أشكو ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس يا أرحم الراحمين».
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق